الثلاثاء 29 سبتمبر ,2026 الساعة: 03:25 مساءً
ميونخ 1938: حين يتحول التنازل إلى إشارة ضعف
سحاول في هذا المقال تقمّص عقلية صانع القرار السعودي، ومعها عقلية صانع القرار الحوثي، ووجدت نفسي أمام اتفاقية ميونخ 1938، الحاضرة في طريقة قراءة المشهد اليمني.
لماذا سوفت السعودية واصرت صنعاء
عندما قبلت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا بمنح هتلر إقليم السوديت التشيكوسلوفاكي في ميونخ مقابل تعهده بالسلام وعدم التوسع.
وقيل يومها أن أوروبا اشترت السلام بالتنازل.
لكن هتلر لم يرَ التنازل نهايةً، بل رآه دليلًا على أن خصومه لا يريدون المواجهة.
وبعد أشهر، أسقط الاتفاق نفسه واحتل بقية الأراضي التشيكية، ثم اتجه إلى بولندا حتى اجتاح فرنسا، وكان في طريقه إلى اجتياح بقية أوروبا.
ومن هنا يمكن فهم هاجس سعودي محتمل :
إذا كان الحوثي قد وصل إلى باب المندب، فهل سيتعامل مع أي تنازل باعتباره نهاية للصراع، أم باعتباره خطوة جديدة؟
هذا ليس حكمًا على نواياه، بل قراءة محتملة لمنطق القوة والتوسع من زاوية الرياض.
رهانات الحوثي في قفزة المندب
الحوثي الوجه الاخر لميونخ:
من زاوية هذه القراءة، قام رهان الحوثي على «عقدة ميونخ» : أن الخصوم يفضلون السلام والمهادنة لحماية مصالحهم، فتتحول التنازلات إلى مكاسب مجانية، وهنا نجد خطأ التفكير وخطيئته حيث لم تدرك صنعاء نمط القيادة الجديد بالرياض كما أنها ترفض سياسة الترضية على طريقة سلام ميونخ.
أيضًا هناك الورقة الجيوسياسية :
وضع اليد على الممر الدولي للتحكم بالملاحة والتجارة، وفرض الجماعة كرقم إقليمي لا يمكن تجاوزه.
مشكلة القوة : سلاح الحوثي الوحيد
أما صورة القوة، فقد رأى الحوثي أن التصعيد الخارجي وسيلة لتغطية العجز الخدمي والرواتب في الداخل، وصنع شرعية جديدة تقوم على الهيبة العسكرية بدلًا من الاستقرار الاقتصادي.
أيضًا ذهب الحوثي وهو في حالة عداء مع كل القوى في الساحة اليمنية، وهذا بحد ذاته انتحار.
لكن السؤال: كيف ذهبت صنعاء لتحقيق ذلك؟
ذهب الحوثي إلى ذلك بدون عقل، فقد تم تصفية شخصيات يمنية وازنة، من بينها محمد عبدالملك المتوكل وأحمد شرف الدين، عبد الكريم جدبان وجميهعم اغتيلوا في 2014 الذي تم اغتياله ما عدا جدبان في نوفمبر 2013 بفترة وجيزة في ظروف واتهامات لم تُحسم بصورة قاطعة.
تراجع السياسة وتقدم منطق الغلبة
النتيجة السياسية :
انه تراجع صوت السياسة، وفُرّغت الساحة من صوت الاعتدال والدبلوماسية، وتقدم صوت السلاح، وصارت صنعاء تُدار بمنطق الغلبة أكثر من منطق التوافق والسياسة.
كما دخلت صنعاء تحديًا مفتوحًا مع دولة تملك موارد نفطية بقدرة إنتاجية بملايين البراميل يوميًا، بينما تعاني مناطق سيطرته من اقتصاد حرب ورواتب وأزمات وقود.
وصل بيع العشرين لترًا إلى 50 ألف ريال في السوق السوداء، ما يعادل ألف ريال سعودي، بينما كان يُباع في السعودية بأقل من عشرة ريالات.
كل ذلك، في هذه القراءة، لا يعني إلا شيئًا واحدًا :
أن الحوثي صنع بنفسه بيئة داخلية قابلة للانقلاب عليه حين تنكسر صورة القوة.
الرياض وسياسة استنزاف الخصم
السعودية، راكمت خبرة طويلة بالتعامل مع ملفات لبنان وسوريا والعراق واليمن.
ومن هذه الزاوية، امتلكت الرياض حكمة مفادها أن الحروب لا تُحسم دائمًا بضربة واحدة، بل أحيانًا بالصبر واستنزاف الخصم وتفكيك شبكاته وانتظار اللحظة التي يتحول فيها التحدي الخارجي إلى عبء داخلي.
لذلك فالمسألة، في العقل السعودي المفترض هنا، لم تكن :
هل سيتوقف الحوثي عند باب المندب؟
بل السؤال الأعمق : ماذا سيحدث إذا أقنعناه بأن باب المندب هو آخر ما يستطيع الوصول إليه؟ هل سيوافق؟
درس ميونخ يثبت للسعودية شيئًا واحدا، هو أن سياسة المهادنة وبعض التنازلات لا تشتري السلام كما فعلت اوروبا بميونخ.
بل قد تمنح الخصم ثقة إضافية بأن الطريق أمامه ما زال مفتوحا والخوف قائم.
لذلك لم تعد المهادنة، في حسابات الرياض وصنعاء، طريقًا كافيًا لتجنب المواجهة، بل أصبح اختبار القوة هو المسار الذي فرض نفسه على الطرفين.