عقدٌ اجتماعيّ مفقود.. عندما تلتهم السلطة فكرة الدولة
السبت 05 سبتمبر ,2026 الساعة: 11:41 صباحاً






لم تكن الدولة، في جوهرها، مجرد حدودٍ جغرافية أو مؤسساتٍ إدارية أو سلطةٍ تمارس الأمر والنهي؛ بل كانت، قبل كل شيء، فكرةً قامت على توافقٍ ضمني بين الحاكم والمحكوم: أن تُصان الحقوق مقابل احترام القانون، وأن تُمارس السلطة لخدمة المجتمع وحماية مصالحه.
ومن هنا نشأت فلسفة «العقد الاجتماعي» التي شغلت الفكر السياسي، وأصبحت إحدى الركائز الفكرية لفهم الدولة الحديثة؛ حيث تبلورت معالمها في كتابات ثلاثة من أبرز الفلاسفة:
توماس هوبز،
جون لوك، وجان جاك روسو.
أسهم هؤلاء المفكرون في تأسيس هذا الإطار الفلسفي لتفسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحديد طبيعة الحقوق والواجبات المتبادلة بين السلطة والمجتمع.
وقد اختلف هؤلاء الفلاسفة في تصورهم لطبيعة هذا العقد ومصدر السلطة وحدودها، إلا أنهم التقوا، بدرجات مختلفة، حول حقيقة جوهرية: أن السلطة لا تستمد مشروعيتها من القوة وحدها، وإنما من وظيفتها في تنظيم المجتمع وحماية أفراده وصيانة حقوقهم وتحقيق الصالح العام.
ومن هنا، فإن الدولة التي تقوم على العدالة والمساواة وسيادة القانون، وتكفل لمواطنيها الأمن والحقوق والخدمات الأساسية، هي الأقدر على الاستقرار والاستمرار والتطور؛ لأن المواطن فيها لا يرى نفسه تابعاً للسلطة، بل شريكاً في وطنٍ تحكمه قواعد واضحة وتُصان فيه كرامته وحقوقه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام واقعنا المرير هو: ماذا يحدث عندما تتسع الفجوة بين الدولة كما ينبغي أن تكون، والسلطة كما تُمارس على أرض الواقع؟
يعبّر أحد المواطنين المقهورين عن جانب من هذه المعاناة بقوله:
«تباً لمسمى حكومة أو سلطة في بلادنا! ما عدنا قادرين على تفقد كهرباء السيارة، ولا سكب البنزين لنقضي به حاجة.. أفكر جلياً في إحراقها بعد أن أصبحت بلا جدوى. لم نعد قادرين على تعليم أبنائنا ولا علاجهم.. إلى أين تريدون الوصول بنا وقد نهبتم حقوقنا المكتسبة؟ تبررون العجز والتقصير بالعدوان، بينما نحن من نتعرض لعدوانكم الفعلي في كل تفاصيل حياتنا!»
قد تكون هذه الكلمات صوت مواطن واحد، لكنها تختزل، في جانب منها، إحساساً واسعاً بالعجز والإحباط لدى قطاعات من المجتمع؛ حيث أصبحت الاحتياجات الأساسية نفسها عبئاً، وأصبح المواطن يصارع من أجل تأمين التعليم والعلاج والطاقة والدخل، بينما تتراجع قدرته على الشعور بالأمان والاستقرار والانتماء إلى منظومة سياسية واقتصادية يراها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق: ليست الأزمة في غياب السلطة بقدر ما هي في غياب الدولة بوظيفتها ومؤسساتها ومرجعيتها.
فالسلطة في مفهومها الطبيعي ينبغي أن تكون وسيلة لخدمة الدولة والمجتمع، وليست غاية قائمة بذاتها. وعندما تتحول أدوات السلطة إلى عبء على المواطن، وتصبح حماية الحقوق والخدمات الأساسية استثناءً بدلاً من أن تكون أصلاً، تتسع المسافة بين مفهوم الدولة وممارسة السلطة.
إننا نتحدث عن اليمن؛ ذلك البلد الضارب بجذوره في عمق التاريخ والحضارة، والذي يمتلك من المقومات البشرية والثقافية والاقتصادية ما يؤهله لبناء دولة حديثة مستقرة. غير أن هذا الرصيد الحضاري الهائل اصطدم، خلال سنوات طويلة، بأزمات سياسية واقتصادية وصراعات داخلية وتدخلات خارجية، أضعفت مؤسسات الدولة وأرهقت المجتمع وأفقدت كثيراً من المواطنين الثقة بقدرة النظام العام على تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
فهل ما زال من الصحيح أن نسميها «دولة»؟
من الناحية القانونية والسياسية، لا يمكن ببساطة نفي صفة الدولة عن اليمن؛ فالدولة تظل كياناً ذا شخصية قانونية ووجود سياسي وحدود ومؤسسات، وتحظى بالاعتراف الدولي.
لكن من الناحية الوظيفية، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: إلى أي مدى ما زالت الدولة تؤدي وظائفها الأساسية تجاه المواطن؟
فالدولة لا تُقاس فقط بوجود المباني الحكومية والأجهزة الرسمية، ولا بعدد القرارات والقوانين واللوائح، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المظاهر الشكلية إلى واقع يلمسه المواطن في أمنه وحقوقه ومعيشته وكرامته.
ومن هنا، فإن وصف اليمن بأنها «دولة فاشلة» أو «هشة» ينبغي أن يكون توصيفاً علمياً لوظائف مؤسسات الدولة، لا حكماً نهائياً على الوطن أو الشعب. فالوطن باقٍ، والمجتمع باقٍ، وإمكانات النهوض قائمة؛ الذي يحتاج إلى إعادة بناء هو مؤسسات الدولة وعلاقتها بالمواطن.
ولعل جوهر الأزمة يكمن هنا تحديداً: عندما يشعر المواطن أن السلطة تطالبه بالامتثال للقانون، بينما لا يجد في المقابل حماية كافية لحقوقه، أو خدمات أساسية، أو عدالة ناجزة، أو فرصة عادلة للحياة والعمل؛ فإن الثقة بالعقد الاجتماعي تبدأ في التآكل.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
فالدولة لا تسقط فقط عندما تنهار مؤسساتها، وإنما تبدأ في السقوط عندما يفقد المواطن إيمانه بأن القانون يحميه، وأن السلطة تعمل من أجله، وأن الوطن يتسع له ولأبنائه بالعدل والمساواة.
إن استعادة الدولة في اليمن، لذلك، لا تبدأ بتغيير المسميات، ولا بكثرة الأجهزة، ولا بتضخيم مظاهر السلطة؛ وإنما تبدأ من إعادة بناء العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس واضح: حقوق مصانة، وواجبات متبادلة، وقانون يسري على الجميع، وسلطة تستمد مشروعيتها من خدمة المجتمع لا من إخضاعه.
فحين تستعيد الدولة وظيفتها، تستعيد السلطة معناها.
وحين يستعيد المواطن حقوقه وكرامته، يستعيد الوطن عافيته.
أما حين تحل السلطة محل الدولة، ويغيب العقد بين الحاكم والمحكوم، فإن الخاسر في النهاية ليس المواطن وحده، بل الوطن بأسره.


Create Account



Log In Your Account