الثلاثاء 20 أكتوبر ,2026 الساعة: 10:33 مساءً
يوميات أبٍ يمني من تعز — حوار تخزينة:
جلستُ أتناول القات، وأراقب أفكاري وهي تتجول في عقلي بحرية لم تعرفها حتى في زمن السلم، والجميع بالشارع، لا يأبه أحد منهم بالقذائف.
يبدو أن الجميع تعايش مع الحرب، حتى ربات البيوت، الخائفون دوماً، لم يعودو هذه المرة يلتفتون إلى دويّ الانفجارات؛ فلديها ما هو أكثر إلحاحاً :
عينٌ على القدر فوق موقد الغاز، وأخرى على وجبة تخشى أن تحترق قبل أن تنضج. فالغاز شحيح، والسلع تصل بشقّ الأنفس، ولم يعد الوضع يحتمل خسارة أخرى.
عجيبٌ أمرنا، فقد صار احتراق الوجبة كارثة صغيرة لا تقلّ إيلاماً عن انفجار قريب؛ تسائلت فقال أحدهم :
القذيفة أمرها إلى الله، أما الطعام إن احترق، فالبديل صعب! والغاز ذهابه بلا فائدة مشكلة.
وفي ساعة صفاء وانشراح، سألتني نفسي :
— يا هذا، ما الذي أغضبك من الحرب؟ أهو الرصاص، أم أنها جاءت مع البرد وبداية العام الدراسي والجامعي؟
قلت لها: أيتها الصاحبة بالجنب، العتب ليس على القتال وحده، بل على سوء اختيار التوقيت! لقد جاءت في موعد سيئ، وبعد فوات الأوان!
بعد أن شمرت كل أسرة عن ساعدها استعداداً للدراسة الجامعية والمدرسية، وكأن الحوثيين قرأوا التقويم المدرسي ثم قرروا مخالفته.
قلت لها مستغرباً :
هل كان لا بد أن تأتي الحرب في هذا التوقيت؟ أما كان بالإمكان تأجيلها قليلاً، أو تقديمها قبل أن تحشد الأسر اليمنية كل ما لديها لتدبير متطلبات الدراسة، من دفع الأقساط الأولى للمدارس والجامعات مقدماً؟
ومن شراء الملابس والكتب والدفاتر، حتى تتمكن الأسر، بما تبقّى من مدخراتها، من شراء ما تحتاج إليه من طعام ومؤونة، ومواجهة برد الشتاء وأمراضه؟
والأهم والمهم كان هو الإستعداد النفسي الذي جهزناه لاولادنا
جاءت الحرب لتقول لنا، عملياً: أوقفوا حياتكم الطبيعية، فقد بدأ برنامجي العسكري، وأنا لا أجيد إلا الدمار والخراب!
قلت لنفسي: ماذا لو تحاربنا في الصيف؟
أو لماذا لم تنتظروا حتى الصيف القادم، لننتهي من العام الدراسي، ونلتقط أنفاسنا، ثم ندخل الحرب بنفسيات مستعدة؟
أليس من حقنا أن نمارس رفاهية اختيار الموت والخراب؟
طيب، والقات أليس له خاطر عندكم؟ كان سيكون أرخص في الصيف، ولكنكم، على ما يبدو، لم تضعوا هذه النقطة في الحسبان، كعادتكم في نسيان كثير من الحقائق.
أيضاً، في الصيف، كانت الأمطار ستتكفل بتغذية الخزانات الجوفية وخزانات البيوت. حتى الطبيعة كانت ستقدم تسهيلات لا توفرها غرف العمليات!
تخيلوا لو أنكم عقدتم اجتماعاً للتنسيق، كما فعل العرب قديماً حين حرّموا الاقتتال في الأشهر الحرم، وأجريتم استفتاءً قبل الحرب، وقلتم :
«أيها الشعب الكريم، نعتزم إشعال الجبهات، فما الموعد المناسب لظروفكم المعيشية؟»
ثم انطفأت ضحكتي وأنا أمر بجانب مستشفى، وتذكرت المرضى، وولدي الذي يعاني شحنة كهربائية في الدماغ.
فقد كنت، قبل الحرب، أدبّر علاجه أسبوعاً بأسبوع، وكذلك متطلبات طفلي زياد، الذي لا يزال رضيعاً.
أما الآن، أصبح الأمر يتطلب مني توفير احتياطي من الحليب والعلاج يكفي لشهر، وكل ذلك بسبب التوقيت الخاطئ للحرب، وبسبب الغد المجهول، والخوف من أن تطول.
حتى الجغرافيا نفسها تواطأت لتقطع أنفاسنا؛ فمع كل منفذ يضيّقه الحوثيين تطبق الطرق الوعرة والجبلية علينا، لتضاعف أسعار الدواء والطعام، وكأننا في دولة أوروبية، ولكن براتب لا يتجاوز ٣٥ دولاراً!
تذكرت علبة الدواء، وعلبة الحليب، ثم نظرت إلى الشارع، وتذكرت أحد الطلاب، الذي توقفت حياته الدراسية، وهو يدرس في السنة الرابعة، فرع الذكاء الاصطناعي.
وهنا ابتسمت بحسرة:
يدرس الذكاء الاصطناعي ليصنع آلات تفكر، بينما نحن نعيش وسط حرب تديرها عقول بلا أي ذكاء، طبيعي أو اصطناعي!
كمواطن، يدرك ان الحرب ف،ضت ولم اعد أطمع حتى في وقف الحرب؛ أتمنى فقط أن أملك حق اختيار نمط الموت وتوقيته، لا منعه.
أطفأت آخر أفكاري، وعدت أحدّق في علبة الدواء والكتب والطلاب عندها أدركت أن أكثر ما يحتاج إليه المواطن اليمني هو حرب بمواعيد أفضل.
تمنيت لو أن وزير الدفاع وهيئة الأركان، وهما بعيدَان عن حياتنا بتعز وأقساط المدارس وعلب الدواء، ان ينسقو موعداً أجمل للحرب وألا تأتي على حساب ما تبقّى لنا من حياة!