من التنافس التاريخي إلى حسابات الشراكة: التقارب المصري السعودي ومعادلة الأمن القومي العربي في البحر الأحمر
الثلاثاء 20 أكتوبر ,2026 الساعة: 10:05 مساءً

لم تعد قراءة المشهد السياسي في المنطقة تحتمل الإجابات القطعية أو القوالب الجاهزة؛ فالجغرافيا السياسية تتغير بتغير المصالح وموازين القوى، وتعيد الأحداث المتسارعة رسم أولويات الدول وتحالفاتها. وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة العربية، تبرز الأزمة اليمنية وتهديدات أمن الملاحة في البحر الأحمر بوصفهما اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول العربية على حماية مصالحها وصياغة معادلة أمنية أكثر توازنًا واستقلالية.
ومن هنا يبرز تساؤل جوهري: كيف انتقلت العلاقات المصرية السعودية من التنافس الإقليمي خلال ستينيات القرن الماضي، ولا سيما في اليمن، إلى التقارب والتنسيق في مواجهة التحديات الراهنة؟ وما حدود هذا التقارب، ومدى قدرته على حماية الأمن القومي العربي والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالبحر الأحمر، في ظل احتمالات التصعيد وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية؟
أولًا: من التضاد التاريخي إلى الشراكة الاستراتيجية
شهدت ستينيات القرن العشرين استقطابًا حادًا بين القاهرة والرياض على خلفية الثورة اليمنية عام 1962؛ إذ دعمت مصر النظام الجمهوري، فيما ساندت السعودية النظام الملكي. ولم يكن هذا التباين مجرد خلاف بشأن شكل الحكم في اليمن، بل جاء انعكاسًا لصراع إقليمي أوسع حول النفوذ والقيادة وطبيعة النظام السياسي الذي ينبغي أن يسود المنطقة العربية.
أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة التحديات وتبدلت أولويات الأطراف. فلم تعد الخلافات التاريخية وحدها هي المحدد للعلاقات، بل أصبحت المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة تفرض مساحات أوسع للتنسيق والتفاهم، خصوصًا في ما يتعلق بأمن المملكة العربية السعودية، واستقرار اليمن، وسلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وقد أسهمت التهديدات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية والملاحة البحرية، في إبراز الترابط بين أمن دول المنطقة. كما أن ارتباط جماعة الحوثي بإيران، من حيث الدعم والعلاقات الاستراتيجية، أضاف بُعدًا إقليميًا إلى الأزمة اليمنية، وجعل التعامل معها يتجاوز حدود الصراع الداخلي.
ومع ذلك، فإن التقارب المصري السعودي لا يعني بالضرورة تطابقًا كاملًا في الرؤى أو الأدوات السياسية، بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا للمصالح المشتركة وضرورة التنسيق في مواجهة المخاطر التي قد تتجاوز آثارها حدود الدول المعنية.
ثانيًا: أمن البحر الأحمر والاقتصاد.. شرايين لا تحتمل الاضطراب
يمثل البحر الأحمر، الممتد بين مضيق باب المندب جنوبًا وقناة السويس شمالًا، أحد أهم الممرات البحرية في حركة التجارة العالمية، فضلًا عن أهميته الاستراتيجية لدول المنطقة. ولذلك، فإن أي اضطراب أمني فيه لا يقتصر أثره على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الاقتصاد والتجارة والطاقة والاستثمار.
1. قناة السويس والأمن الاقتصادي المصري
تُعد قناة السويس أحد المصادر المهمة للعملة الأجنبية في مصر، كما تمثل ركيزة أساسية لمكانة البلاد في منظومة التجارة الدولية. وعندما تتعرض الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب للتهديد، تتزايد احتمالات تحويل السفن إلى طرق بديلة، وفي مقدمتها طريق رأس الرجاء الصالح، بما يطيل زمن الرحلات ويرفع تكاليف النقل، وينعكس سلبًا على إيرادات القناة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
وقد أظهرت اضطرابات الملاحة خلال السنوات الأخيرة أن أمن الممرات البحرية ليس قضية عسكرية منفصلة، بل عامل مؤثر في الاستقرار المالي والاقتصادي للدول المطلة عليها.
2. سلاسل الإمداد والطاقة والتجارة الدولية
يمثل البحر الأحمر ممرًا مهمًا لحركة البضائع والطاقة بين آسيا وأوروبا، وإن كانت طرق نقل الطاقة والتجارة تتعدد بحسب الظروف والأسواق. ويؤدي تصاعد المخاطر البحرية إلى ارتفاع أقساط التأمين وتكاليف الشحن، واضطراب مواعيد التسليم، وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد، بما قد ينعكس على أسعار السلع ومعدلات التضخم في اقتصادات المنطقة والعالم.
ومن ثم، فإن حماية الملاحة لا تخدم دولة بعينها، بل تمثل مصلحة مشتركة للدول المطلة على البحر الأحمر وللشركاء التجاريين الدوليين.
3. التنمية والاستثمار في المملكة العربية السعودية
تسعى السعودية إلى تطوير مناطقها الساحلية وتعزيز مكانتها في مجالات السياحة والخدمات اللوجستية والاستثمار، ضمن مستهدفات رؤية 2030، ومن خلال مشروعات كبرى على ساحل البحر الأحمر، من بينها نيوم ومشروعات سياحية أخرى.
وتتطلب هذه الطموحات بيئة إقليمية مستقرة، وطرقًا بحرية آمنة، وثقة مستدامة لدى المستثمرين وشركات النقل والتأمين. ولذلك، فإن أمن البحر الأحمر يمثل عنصرًا داعمًا للتنمية السعودية، كما يمثل مصلحة اقتصادية مشتركة لمصر وبقية الدول المطلة عليه.
ثالثًا: حدود الدور المصري ووزن الشراكة العربية
تستند الرؤية الاستراتيجية المصرية إلى اعتبار أمن الخليج والبحر الأحمر جزءًا وثيق الصلة بالأمن القومي المصري والعربي. وتنبع أهمية هذا الموقف من الموقع الجغرافي لمصر، وسيطرتها على قناة السويس، وامتداد سواحلها على البحرين الأحمر والمتوسط، فضلًا عن قدراتها البحرية وخبرتها في التعامل مع التحديات الإقليمية.
لكن أهمية الدور المصري لا تعني بالضرورة الانخراط في مواجهة برية واسعة داخل اليمن؛ فالتجربة التاريخية، وتعقيدات الجغرافيا اليمنية، وتشابك القوى المحلية والإقليمية، كلها عوامل تجعل أي تدخل عسكري مباشر واسع النطاق محفوفًا بتكاليف ومخاطر كبيرة.
ومن هنا، تبرز عدة مسارات يمكن أن يتجسد من خلالها الدور المصري:
التأمين البحري: الإسهام في حماية الملاحة وحرية المرور في البحر الأحمر، وفق الالتزامات والترتيبات المعمول بها.
التنسيق العسكري والأمني: تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول المعنية، بما يساعد على تقييم التهديدات واحتوائها.
الدعم السياسي والدبلوماسي: مساندة المسارات التي تستهدف تسوية الأزمة اليمنية، والحفاظ على مؤسسات الدولة، والتوصل إلى حل سياسي مستدام.
تعزيز التعاون العربي: بناء تفاهمات عملية تجمع بين القدرات العسكرية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية للدول العربية.
ويمنح التنسيق المصري السعودي أي تحرك عربي مشترك وزنًا استراتيجيًا معتبرًا، بالنظر إلى ثقل الدولتين وموقعهما الجغرافي ومصالحهما المباشرة في أمن المنطقة. غير أن فاعلية هذه الشراكة تظل مرتبطة بوضوح الأهداف، وتحديد حدود المسؤوليات، والقدرة على الجمع بين الردع العسكري والحلول السياسية، بعيدًا عن الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة يصعب التحكم في مساراتها ونتائجها.
رابعًا: بين الضغوط على السعودية واحتمالات استدراج المنطقة إلى التصعيد
أظهرت الهجمات والتهديدات التي تعرضت لها المملكة خلال السنوات الماضية حجم التحديات الأمنية التي تواجهها، ولا سيما عندما تستهدف البنية التحتية النفطية أو المنشآت الحيوية. غير أن التعامل مع هذه التحديات لم يقتصر على الخيارات العسكرية، بل اتجه أيضًا إلى تنويع الأدوات الاستراتيجية، والجمع بين تعزيز القدرات الدفاعية والانفتاح الدبلوماسي ومحاولات احتواء الأزمات.
وفي هذا السياق، مثّل الحوار السعودي الإيراني الذي أُعلن عنه في بكين عام 2023 خطوة مهمة في مسار خفض التوتر، كما تواصلت الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية للأزمة اليمنية. ومع ذلك، فإن الانفتاح الدبلوماسي لا يعني زوال أسباب الخلاف، ولا يوفر ضمانات نهائية تمنع تجدد التصعيد؛ إذ تظل النتائج مرهونة بسلوك الأطراف، ومدى التزامها بالتفاهمات، وطبيعة التحولات الإقليمية والدولية.
وهنا يبرز السؤال: هل تسعى بعض الأطراف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى دفع الدول العربية نحو مواجهة أوسع تستنزف قدراتها وتشتت أولوياتها التنموية؟
لا يمكن الجزم بوجود مخطط واحد يجمع جميع هذه التطورات، لكن من المشروع سياسيًا واستراتيجيًا التحذير من أن اتساع دائرة المواجهة قد يحقق مصالح بعض القوى، بينما تتحمل الدول العربية جانبًا كبيرًا من تكاليفه البشرية والاقتصادية والأمنية.
ومن ثم، فإن الحكمة لا تكمن في تجنب الردع أو التخلي عن المصالح الوطنية، بل في منع تحول الردع إلى بوابة لحرب مفتوحة، أو تحول الأزمات المحلية إلى صراعات إقليمية طويلة الأمد.
أما الدور الأمريكي، فينبغي قراءته في ضوء التغيرات التي شهدتها السياسة الأمريكية خلال العقود الأخيرة، بما فيها الميل في بعض المراحل إلى تقليل الانخراط البري المباشر، مع استمرار استخدام أدوات عسكرية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية متعددة. ولا يعني ذلك انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة أو تخليها عن مصالحها، بل يعكس تغيرًا في أساليب إدارة النفوذ والصراعات.
وهذا الواقع يفرض على الدول العربية مراجعة حساباتها، وعدم بناء أمنها على افتراضات ثابتة بشأن مواقف القوى الخارجية أو استعدادها للتدخل في كل الظروف. فالشراكات الدولية قد تكون ضرورية، لكنها لا تغني عن بناء قدرات عربية ذاتية، وتنسيق سياسي وأمني واقتصادي أكثر فاعلية.
خامسًا: نحو معادلة عربية متوازنة لأمن البحر الأحمر
إن حماية البحر الأحمر لا يمكن أن تتحقق بالاعتماد على القوة العسكرية وحدها، كما لا يمكن ضمانها من خلال التفاهمات السياسية إذا ظلت أسباب الصراع قائمة. فالأمن المستدام يحتاج إلى مقاربة متكاملة تجمع بين الردع، والدبلوماسية، والتنمية، والتعاون الإقليمي.
وتقتضي هذه المقاربة العمل على ثلاثة مستويات مترابطة:
أولًا: المستوى الأمني والعسكري، من خلال تنسيق الجهود البحرية، وتعزيز تبادل المعلومات، وحماية خطوط الملاحة والمنشآت الحيوية، مع تجنب توسيع نطاق المواجهات بما يتجاوز الضرورات الأمنية.
ثانيًا: المستوى السياسي والدبلوماسي، عبر دعم تسوية يمنية شاملة تراعي مصالح اليمنيين، وتحفظ وحدة الدولة وسيادتها، وتحد من التدخلات الخارجية، إلى جانب إبقاء قنوات الحوار الإقليمي مفتوحة لمعالجة مصادر التوتر.
ثالثًا: المستوى الاقتصادي والتنموي، بتعزيز التعاون بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتطوير آليات مشتركة لحماية التجارة والاستثمارات والموانئ، وربط الاستقرار الأمني بفرص التنمية والمصالح المتبادلة.
وفي هذا الإطار، يمثل التقارب المصري السعودي ركيزة مهمة، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده ما لم يتحول إلى تعاون مؤسسي أوسع يضم الدول العربية المعنية، ويستند إلى رؤية واضحة للمصالح المشتركة، مع احترام سيادة الدول ومراعاة اختلاف ظروفها وأولوياتها.
خاتمة: الأمن العربي بين دروس التاريخ واستحقاقات المستقبل
تكشف المقارنة بين ستينيات القرن الماضي والمرحلة الراهنة أن العلاقات المصرية السعودية ليست أسيرة الماضي، بل تتأثر بطبيعة التحديات والمصالح التي تفرضها كل مرحلة. فبعد أن كان اليمن ساحة للتنافس الإقليمي بين القاهرة والرياض، أصبح استقراره وأمن البحر الأحمر مجالًا تتقاطع فيه مصالح الدولتين، وإن اختلفت تقديراتهما لبعض الوسائل والتفاصيل.
ومع ذلك، فإن التقارب السياسي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه ضمانة مطلقة لتجاوز الأزمات، ولا أن يُحمَّل أكثر مما يحتمل من رهانات. فالمشهد الإقليمي متغير، والمصالح الدولية متشابكة، واحتمالات التهدئة والتصعيد تظل قائمة ما دامت أسباب الصراع لم تُعالج معالجة مستدامة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في بناء تحالفات ظرفية لمواجهة خطر آني فحسب، بل في صياغة منظومة عربية قادرة على حماية المصالح المشتركة، وتأمين الممرات البحرية، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، ومنع استنزاف الموارد في حروب طويلة لا يخرج منها أحد منتصرًا بالمعنى الحقيقي.
فهل تنجح الدول العربية في تحويل دروس التنافس التاريخي إلى فرصة لشراكة استراتيجية أكثر رسوخًا، تجعل أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة، وتمنح المنطقة قدرة أكبر على إدارة أزماتها بعيدًا عن الارتهان الكامل لحسابات القوى الخارجية؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وتلك هي المعادلة التي سيحدد نجاحها مدى قدرة العرب على الانتقال من ردود الفعل إلى صناعة المستقبل.


Create Account



Log In Your Account