اليمن... جمهورية الأوجاع بين اخفاق الداخل وتضارب المصالح الإقليمية وصمت العالم
الجمعة 31 يوليو ,2026 الساعة: 09:38 مساءً

شهدت دول كثيرة، عبر التاريخ وفي العصر الحديث، صراعات دامية وحروبًا مدمرة خلّفت خسائر بشرية واقتصادية جسيمة. ومع ذلك، استطاعت معظم تلك الدول، بعد سنوات من المعاناة، أن تطوي صفحات الألم تدريجيًا، وتبدأ مسارات التعافي وإعادة البناء. أما اليمن، فيبدو وكأنه يعيش استثناءً مؤلمًا؛ إذ تتوالى عليه الأزمات دون أن تلوح في الأفق بوادر حقيقية للخروج منها، حتى غدا وطنًا يرزح تحت أعباء صراعات متشابكة، وأزمات متراكمة، ومعاناة إنسانية ممتدة، في ظل اهتمام دولي لا يرقى إلى حجم الكارثة.
أولًا: بين الخطاب والواقع... اقتصاد ينهار وحياة تزداد قسوة
لا تكاد تخلو البيانات الصادرة عن الأطراف الإقليمية والدولية من التأكيد على دعم اليمن واستقراره ووحدته، غير أن الواقع يعكس صورة مغايرة تمامًا. فالاقتصاد يواصل تراجعه بوتيرة متسارعة، والاستثمارات ورؤوس الأموال تغادر بحثًا عن بيئات أكثر استقرارًا، بينما تتفاقم معاناة المواطنين مع ارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، واتساع رقعة الفقر والبطالة. وأصبحت متطلبات الحياة الأساسية تمثل تحديًا يوميًا لمعظم الأسر اليمنية، حتى غدت الأزمة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

ثانيًا: الدور الإقليمي... بين تضارب المصالح وتعثر الحل
لا يمكن قراءة المشهد اليمني بمعزل عن الأدوار الإقليمية، إذ إن مسار الأزمة يكشف بوضوح أن مصالح القوى المؤثرة لم تلتقِ، في كثير من الأحيان، مع المصلحة الوطنية اليمنية. فلو كان الهدف المشترك هو إنهاء الصراع واستعادة مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار، لما استمرت الأزمة كل هذه السنوات، ولما ازدادت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية تدهورًا بهذا الشكل.
لقد غلبت على التعاطي الإقليمي حسابات الأمن والمصالح والنفوذ، أكثر من غلبة الرغبة في الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة. وبدا أن إدارة الأزمة أصبحت، في بعض المراحل، تتقدم على السعي الجاد لإنهائها، الأمر الذي أطال أمد الصراع، وأبقى اليمن ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح وتبادل الرسائل السياسية، بينما ظل المواطن اليمني يدفع وحده كلفة هذا الواقع، من أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه.
ولا يعني ذلك تحميل المسؤولية لطرف واحد أو إعفاء الأطراف اليمنية من مسؤولياتها، غير أن حجم النفوذ الإقليمي وتأثيره في مجريات الأزمة يجعل من الصعب تجاهل حقيقة أن مواقف بعض القوى الإقليمية لم تُترجم، في كثير من الأحيان، إلى خطوات عملية تتناسب مع ما يُعلن من حرص على أمن اليمن واستقراره ووحدته.
ثالثا: الدور الإقليمي... بين إدارة الأزمة وتعثر الحل
لا يمكن فهم المشهد اليمني بمعزل عن تأثيرات البيئة الإقليمية. فقد أسهمت تداخلات المصالح والحسابات السياسية في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الحل، بحيث بدا في كثير من الأحيان أن إدارة الصراع غلبت على الجهود الرامية إلى إنهائه. والنتيجة أن اليمن ظل ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، بينما يدفع المواطن اليمني الكلفة الأكبر من أمنه ومعيشته ومستقبله.
رابعا: أزمة الحكم... تراجع المسؤولية وغياب الرؤية
داخليًا، كشفت سنوات الأزمة عن تحديات عميقة في بنية الإدارة السياسية، تمثلت في ضعف الأداء، وتراجع فاعلية المؤسسات، واستمرار الانقسامات، بما انعكس سلبًا على قدرة الدولة في الاستجابة لاحتياجات المواطنين. وفي المقابل، برزت شخصيات وطنية مخلصة سعت إلى تغليب المصلحة العامة، إلا أن تأثيرها ظل محدودًا أمام تعقيدات المشهد، واتساع دوائر النفوذ والصراع، وتم ابعادها عن المشهد تماما.
رابعًا: المجتمع الدولي... حضور في البيانات وغياب في الحلول
لا يزال التعاطي الدولي مع الأزمة اليمنية يركز بدرجة كبيرة على تداعياتها الأمنية والإنسانية، في حين لم ينجح حتى الآن في الدفع نحو تسوية مستدامة تعالج جذور الصراع. وغالبًا ما يتركز الاهتمام الدولي على حماية الملاحة الدولية واستقرار الممرات البحرية، بينما تتراجع القضايا المرتبطة بالتنمية وإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع المعيشية إلى مراتب متأخرة.
سادسًا: الممرات المائية... تصعيد جديد يدفع المواطن ثمنه
أدى تصاعد التوترات المرتبطة بالممرات البحرية إلى إضافة أعباء جديدة على الاقتصاد اليمني، من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتأثر حركة التجارة، وانعكاس ذلك بصورة مباشرة على أسعار السلع الأساسية والدواء. وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف، يتحمل نتائج صراعات تتجاوز قدرته على التأثير فيها.
ورغم قسوة المشهد، فإن الوعي المجتمعي شهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبح اليمنيون أكثر إدراكًا لطبيعة التحديات التي تواجه بلادهم، وأكثر قدرة على التمييز بين الشعارات والممارسات، وبين من يعمل لمصلحة الوطن ومن يوظف معاناته لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية.
غير أن هذا الوعي، على أهميته، لا يكفي وحده لإحداث التغيير ما لم يتحول إلى مشروع وطني جامع، يرسخ ثقافة المسؤولية، ويعزز دور المجتمع في حماية مؤسسات الدولة، ومساءلة القائمين عليها، والدفع نحو حلول سلمية تعيد لليمن أمنه واستقراره، وتمنح شعبه فرصة حقيقية للعيش الكريم بعد سنوات طويلة من الألم والمعاناة.


Create Account



Log In Your Account