بريطانيا لا تزال تريد العودة إلى باب المندب.. هذه المرة عبر أدوات إيران
الأحد 13 سبتمبر ,2026 الساعة: 09:06 مساءً

بريطانيا لا تزال تريد العودة إلى باب المندب.. هذه المرة عبر أدوات إيران.
من يقرأ تاريخ الوجود البريطاني في اليمن، ثم ينظر إلى ما يجري اليوم في البحر الأحمر وباب المندب، سيجد أن الأدوات تغيرت، والأسماء تغيرت، وشكل التدخل تغير، لكن المصلحة الأساسية بقيت في مكانها.
 بريطانيا لم يكن يعنيها اليمن يوماً ما بقدر ما كان يعنيها موقعه؛ عدن وميناؤها، وباب المندب، والبحر الأحمر، والطريق الذي يصل المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط. هذه هي اليمن التي احتاجتها الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، وهي ذاتها الجغرافيا التي لا تزال تحتل موقعاً أساسياً في حسابات بريطانيا والغرب اليوم.
عندما احتلت بريطانيا عدن عام 1839 لم تتجه إلى صنعاء، ولم تحاول احتلال كل اليمن، لأنها لم تكن بحاجة إلى ذلك. احتلت المكان الذي تحتاجه وأقامت حوله النظام السياسي الذي يضمن لها البقاء بأقل تكلفة ممكنة. كان المطلوب هو السيطرة على عدن والميناء والطريق البحري، أما المناطق المحيطة فكان يمكن تركها لسلاطين ومشايخ وحكام محليين يتولون إدارتها ويحافظون على حدود النفوذ البريطاني، مقابل الحماية والأموال التي كانت تدفع لهم ضمن ما عرفه اليمنيون بنظام «المشاهرات».
لم يكن الاستعمار البريطاني في اليمن، لذلك، مجرد قوات بريطانية متمركزة في عدن، بل كان منظومة كاملة من الحكم غير المباشر. تحتل بريطانيا ما تحتاجه فعلياً، ثم تضع حوله مجموعة من السلطات المحلية التي تتولى حماية مصالحها وتمنع ظهور قوة يمنية تستطيع تهديد وجودها. لم يكن من المنطقي بالنسبة لإمبراطورية تعرف كيف تحسب تكلفة نفوذها أن ترسل جنودها إلى كل جبل وقرية، بينما يستطيع سلطان أو شيخ أو حاكم محلي أن يقوم بالمهمة مقابل مبلغ من المال وحماية سياسية توفر له استمرار حكمه.
والإمام في شمال اليمن لم يكن خارج هذه المنظومة، كما حاولت بعض القراءات اللاحقة تقديمه باعتباره قوة مستقلة تقف في مواجهة المشروع البريطاني. من حيث الوظيفة التي أداها وجوده، لم يكن الإمام إلا واحدًا من الحكام المحليين الذين رعت بريطانيا بقاءهم واستفادت منهم للمحافظة على مصالحها وحماية حدود نفوذها. اختلفت طبيعة العلاقة معه عن علاقتها المباشرة بسلاطين الجنوب، لكن النتيجة كانت واحدة: إمام يحكم الشمال، وسلاطين ومشايخ يحكمون أجزاء الجنوب، وبريطانيا تحتفظ بعدن والميناء والطريق البحري، بينما تبقى الدولة اليمنية الموحدة غائبة.
كانت بريطانيا بحاجة إلى هذا اليمن المجزأ أكثر من حاجتها إلى يمن مستقر وقوي. وجود دولة مركزية واحدة تمتد سلطتها من صنعاء إلى عدن وباب المندب كان سيعني ظهور قوة سياسية وعسكرية قادرة على المطالبة بالسيادة على الساحل والموانئ والطريق البحري، ولذلك كان نظام السلطات المحلية المتعددة أكثر ملاءمة للمصلحة البريطانية. وفي هذا السياق كان الإمام يؤدي الدور نفسه الذي أدّاه السلاطين، حتى وإن اختلفت المسميات وحدود الحكم ودرجة الاتصال المباشر بالبريطانيين.
وهذا يفسر جانباً مهماً من العلاقة بين سقوط الحكم الإمامي في ثورة 26 سبتمبر 1962 وبين نهاية الوجود البريطاني في جنوب اليمن بعد ذلك بخمس سنوات فقط. الثورة لم تسقط حاكماً في صنعاء فحسب، بل كسرت أحد أهم أركان النظام السياسي القديم الذي أبقى اليمن مجزأً بين إمام في الشمال وسلاطين في الجنوب واحتلال بريطاني في عدن. وعندما انهارت هذه المعادلة بدأت الأرض السياسية التي وقف عليها الوجود البريطاني لعقود تهتز، حتى خرج آخر جندي بريطاني من عدن في 30 نوفمبر 1967.
وبريطانيا، عندما بنت عدن وطورت ميناءها وأقامت فيها الإدارة والمرافق والخدمات، لم تكن تنفذ مشروعاً لتنمية اليمن. كانت تبني المدينة التي تحتاجها لخدمة تجارتها وقواتها وطريقها البحري. الإمبراطوريات لا تنفق أموالها على المستعمرات بدافع العمل الخيري، وإنما تبني الميناء عندما تحتاج الميناء، والطريق عندما يخدم تجارتها، وشبكة الاتصالات عندما تحتاج إلى إدارة قواتها ومصالحها. ولهذا تطورت عدن، بينما بقيت أجزاء واسعة من اليمن خارج دائرة التنمية التي يتحدث عنها بعض من يحاولون اليوم تقديم الاستعمار البريطاني باعتباره مرحلة تحديث لليمن.
والتجربة نفسها ظهرت بصورة أكثر وضوحاً في مصر. التنمية التي رافقت الوجود البريطاني لم تنتشر في أنحاء مصر بصورة متوازنة، وإنما تركزت بصورة أساسية في القاهرة والإسكندرية ومدن قناة السويس. القاهرة كانت مركز الحكم والإدارة، والإسكندرية كانت بوابة البحر والتجارة، ومدن القناة كانت تقع على الطريق الذي يمثل واحدًا من أهم شرايين الإمبراطورية البريطانية. وفي هذه المناطق تركزت البنية التحتية والخدمات والاستثمارات لأنها كانت المناطق التي تحتاجها بريطانيا لحكم مصر وتأمين قناة السويس والطريق إلى مستعمراتها ومصالحها في الشرق، بينما بقيت مساحات واسعة من البلاد خارج هذا التركيز التنموي.
لهذا لا يمكن اعتبار ما حدث في عدن أو القاهرة أو الإسكندرية أو مدن القناة دليلًا على أن الاستعمار جاء من أجل التنمية. الاستعمار كان يطور المساحة التي يحتاجها لخدمة مصالحه، ويترك بقية البلد في حدود ما يكفي لمنع الاضطراب أو التهديد. ولو كانت تنمية اليمن هي الهدف البريطاني، لما انحصرت مظاهر التطور في عدن بينما تركت بقية البلاد للإمام والسلاطين والمشايخ. ولو كانت تنمية مصر هي الهدف، لما تركز جانب مهم من التطور في العاصمة والميناء ومدن القناة التي تمثل مباشرة قلب المصلحة البريطانية.
خرجت بريطانيا من قناة السويس بعد أزمة 1956، وخرجت من عدن عام 1967، لكنها خرجت بجنودها ولم تخرج الجغرافيا من حساباتها. الدول تستطيع إغلاق قاعدة عسكرية وإنزال علمها والانسحاب من أرض احتلتها، لكنها لا تستطيع أن تنقل قناة السويس أو عدن أو باب المندب إلى مكان آخر. ولذلك بقيت المصلحة المرتبطة بهذه الجغرافيا بعد انتهاء الاحتلال المباشر، وإن تغيرت وسائل حمايتها وإدارتها.
الذي تغير هو شكل القوة. تراجعت بريطانيا كإمبراطورية عالمية، وتقدمت الولايات المتحدة لتأخذ جزءًا كبيرًا من الدور الذي كانت تقوم به، لكن المصلحة الغربية في البحر الأحمر وباب المندب والطريق التجاري بين المحيط الهندي والبحر المتوسط لم تختفِ. بل ازدادت أهمية هذا الطريق بعد تحول دول الخليج إلى واحد من أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم، وأصبح جانب من نقل النفط الخليجي والتجارة القادمة من الخليج رهينة بأمن هذا الممر وقدرة السفن على العبور منه والوصول إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية من دون تهديد. وهكذا أصبح باب المندب جزءًا من معادلة أمن الطاقة والتجارة الدولية، ولم يعد مجرد مضيق يقع على الساحل اليمني.
ومن هذه الزاوية يجب قراءة السياسة الأمريكية والبريطانية تجاه اليمن خلال السنوات الماضية، لا من خلال البيانات السياسية التي تتحدث عن السلام والعملية السياسية والمساعدات الإنسانية. فالسياسات لا تقاس بما تقوله الحكومات عن نفسها، وإنما بما تنتجه على الأرض، والنتيجة التي أنتجتها أكثر من عشر سنوات من السياسة الدولية تجاه الحوثيين واضحة: الحوثي الذي دخل صنعاء كجماعة مسلحة محدودة الإمكانات أصبح سلطة أكثر تنظيمًا، يمتلك أجهزة أمنية وعسكرية واقتصادية، وصواريخ وطائرات مسيرة وقدرات بحرية تمكنه من تهديد الملاحة في واحد من أهم الممرات التجارية في العالم.
يصعب وصف ما حدث طوال هذه السنوات بأنه مجرد سلسلة من الأخطاء. الخطأ يمكن أن يقع مرة أو مرتين، ويمكن لسياسة ما أن تفشل لسنة أو سنتين، لكن عندما تستمر النتيجة نفسها أكثر من عقد، ويخرج الحوثي من كل مرحلة أكثر قوة وقدرة على فرض سلطته، يصبح السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه السياسة قد فشلت فعلًا، أم أنها حققت ما تريده القوى التي صنعتها وإن لم تحقق ما يريده اليمنيون.
خلال سنوات الحرب تدفقت إلى اليمن أكثر من ثلاثين مليار دولار تحت عناوين المساعدات الإنسانية، وكان جزء كبير من هذه المنظومة يعمل في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. غير أن اليمني الذي قيل إن هذه الأموال جاءت لإنقاذه بقي جائعًا وفقيرًا ومشردًا، وظل الموظف بلا راتب، بينما استفادت سلطة الحوثي من وجود منظومة دولية تتولى جانبًا كبيرًا من مسؤولية إعاشة السكان الذين تحكمهم، وتدخل إلى مناطقها عبر المؤسسات والإجراءات والقيود التي تفرضها تلك السلطة.
المساعدات التي يفترض أن تخفف معاناة الناس خففت في الوقت نفسه جزءًا مهماً من العبئ الذي كان ينبغي أن تتحمله السلطة المسيطرة على الأرض. فحين تتولى المنظمات الدولية دفع تكاليف الغذاء والصحة والمياه والإغاثة لملايين السكان، فإن السلطة التي تسيطر عليهم تستطيع توجيه مواردها إلى أولويات أخرى، بما فيها بناء أجهزتها الأمنية والعسكرية وتوسيع شبكاتها الاقتصادية والسياسية. ولهذا لا تكفي مقارنة حجم الأموال التي أعلن عن إنفاقها بعدد المستفيدين على الورق، وإنما يجب النظر إلى النتيجة التي خرجت بها البلاد بعد سنوات من هذه التدفقات المالية، وهي نتيجة تكشف أن الحوثي أصبح أكثر رسوخًا، بينما أصبح المواطن أكثر فقراً.
ولم يتوقف الأمر عند المساعدات الإنسانية. طوال هذه السنوات وصل النفط الإيراني إلى الحوثيين، ووصل السلاح والخبراء ومكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستمرت طرق التهريب في العمل في منطقة يفترض أنها واحدة من أكثر المناطق مراقبة في العالم. الولايات المتحدة وبريطانيا تمتلكان قدرات استخباراتية وعسكرية وبحرية هائلة، ولديهما قواعد وأساطيل وأقمار صناعية وشبكات مراقبة تغطي الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر، ومع ذلك استطاع الحوثي أن يبني خلال سنوات ترسانة عسكرية لم يكن يحلم بامتلاكها عندما دخل صنعاء.
هذه النتيجة لا يمكن فصلها عن البيئة السياسية الدولية التي أحاطت بالحوثي طوال سنوات الحرب. ففي كل مرة اقتربت فيها المواجهة العسكرية من نقطة يمكن أن تغير ميزان القوى بصورة حقيقية، عاد الحديث عن خفض التصعيد ووقف الحرب والتسوية السياسية والحل الشامل وضرورة إشراك الحوثيين في مستقبل اليمن. وكانت النتيجة المتكررة أن يحصل الحوثي على المزيد من الوقت لإعادة ترتيب قواته وبناء مؤسساته وتثبيت سلطته.
والوقت كان، في حقيقة الأمر، واحدًا من أهم الموارد التي حصل عليها الحوثي. المال يمكن إنفاقه، والسلاح يمكن تدميره أو استبداله، لكن عشر سنوات من السيطرة على المجتمع ومؤسسات الدولة والاقتصاد والتعليم والإعلام والأجهزة الأمنية تعني بناء سلطة يصعب تفكيكها. وخلال هذه السنوات كان الحوثي يعيد تشكيل المناطق التي يسيطر عليها وفق مشروعه، بينما كان اليمنيون يسمعون في كل مرحلة الوعد نفسه عن التسوية السياسية المقبلة.
غير أن ترتيب الأولويات الدولية ظهر بصورة أكثر وضوحاً عندما انتقل الحوثي من تهديد اليمنيين إلى تهديد السفن. لم يتحرك الغرب بهذه القوة عندما سيطر الحوثي على صنعاء، ولا عندما نهب مؤسسات الدولة وإيراداتها، ولا عندما صادر أموال اليمنيين وممتلكاتهم، ولا عندما ترك مئات الآلاف من الموظفين بلا رواتب، ولا عندما فرض سلطته بالقوة على ملايين السكان. كل ذلك بقي بالنسبة للمجتمع الدولي جزءًا من أزمة يمنية يمكن إدارتها بالمساعدات والمبعوثين والمفاوضات.
لكن عندما وصلت الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى البحر الأحمر وأصبحت السفن والملاحة الدولية مهددة، تغيرت طبيعة التعامل بسرعة. ظهرت البوارج، وتشكلت التحالفات العسكرية، وبدأت الضربات، وتحولت حرية الملاحة في البحر الأحمر إلى قضية أمن دولي. وهذه المقارنة وحدها تكشف ترتيب المصالح بوضوح؛ معاناة اليمنيين ظلت سنوات ملفاً إنسانياً وسياسياً قابلاً للإدارة، بينما تحول تهديد السفينة والطريق التجاري إلى ملف عسكري يستدعي الأساطيل والقوة المباشرة.
ومن هنا تعود المقارنة مع بريطانيا القديمة لتفرض نفسها. بريطانيا في القرن التاسع عشر لم تكن معنية بحكم كل اليمن، وإنما كانت تريد عدن والميناء والطريق البحري، أما اليوم فلا تحتاج بريطانيا ولا الولايات المتحدة إلى احتلال عدن أو رفع علم فوق أرض يمنية، لأن السيطرة المباشرة لم تعد الوسيلة الوحيدة لحماية المصالح. يمكن حماية الممرات البحرية بالقواعد والأساطيل، ويمكن التأثير على الدول من خلال العقوبات والتحالفات والتمويل والنفوذ السياسي، ويمكن إدارة التوازنات المحلية بطريقة تمنع ظهور قوة وطنية واحدة قادرة على اتخاذ قرار مستقل في أرضها وموانئها وممراتها البحرية.
وهنا يأتي دور إيران والحوثي في المعادلة الجديدة. إيران بنت الحوثي كذراع لها في اليمن ومدته بالسلاح والخبرة والدعم حتى تحول من جماعة متمردة في جبال صعدة إلى قوة تسيطر على العاصمة وتمتلك القدرة على تهديد السعودية والملاحة في البحر الأحمر. غير أن المفارقة أن هذه الأداة الإيرانية نفسها صنعت المبرر الذي تحتاجه أمريكا وبريطانيا للعودة العسكرية المكثفة إلى البحر الأحمر وباب المندب تحت عنوان حماية الملاحة ومواجهة التهديد الإيراني.
ولا يتطلب فهم هذه النتيجة افتراض وجود تحالف سري بين بريطانيا وإيران، أو تصور أن الطرفين جلسا حول طاولة واحدة واتفقا على توزيع الأدوار. السياسة الدولية لا تحتاج إلى هذا النوع من التفسير المبسط. لكل طرف مصالحه ومشروعه، لكن مصالح الخصوم يمكن أن تتقاطع في النتيجة حتى وهم يتصارعون فيما بينهم. إيران تريد ذراعاً مسلحاً يوسع نفوذها ويمنحها قدرة على الضغط على خصومها وعلى الممرات البحرية، وأمريكا وبريطانيا تريدان ضمان أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية والاحتفاظ بالقدرة على التدخل في واحد من أهم الممرات في العالم، بينما يريد الحوثي تحويل القوة التي حصل عليها إلى سلطة دائمة في اليمن. والنتيجة أن هذه المصالح كلها تتصارع وتتقاطع فوق الأرض اليمنية، بينما تتحمل الدولة اليمنية والمجتمع اليمني كلفة هذا الصراع.
وعند مقارنة هذا الواقع بما كان قائماً قبل أكثر من قرن يظهر التشابه بوضوح. كان هناك إمام في الشمال، وسلاطين في الجنوب، وبريطانيا في عدن، ونظام من المشاهرات والحماية يضمن بقاء السلطات المحلية منفصلة ويمنع ظهور دولة يمنية واحدة قادرة على تهديد المصالح البريطانية. واليوم توجد سلطة حوثية في صنعاء، وقوى وسلطات متعددة في الجنوب، وإيران خلف الحوثي، وأمريكا وبريطانيا في البحر الأحمر، فيما تظل الدولة اليمنية القادرة على فرض سيادتها على كامل أرضها هي الغائب الأكبر من هذه المعادلة.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين ما يريده اليمنيون وما تريده القوى التي تتدخل في بلدهم. اليمنيون يريدون دولة تستعيد صنعاء وتسيطر على عدن وتحمي باب المندب باعتباره جزءًا من السيادة اليمنية، بينما تنظر القوى الكبرى إلى اليمن أساساً من زاوية استقرار الممر البحري وأمن السفن وتدفق التجارة والنفط. اليمنيون يريدون إنهاء سلطة الحوثي باعتبارها سلطة مسلحة استولت على الدولة، بينما يكفي القوى الدولية أن يبقى الحوثي داخل الحدود التي لا تعرض مصالحها وممراتها للخطر.
وهذا الاختلاف في الأولويات هو الذي يفسر جانبًا كبيرًا مما حدث خلال السنوات الماضية. السؤال اليمني كان ولا يزال: كيف تستعاد الدولة؟ أما السؤال الذي يشغل القوى الدولية فهو: كيف يبقى باب المندب آمنًا؟ والفرق بين السؤالين ليس فرقًا لغوياً، بل هو الفرق بين مشروع دولة يمنية مستقلة ومشروع إدارة أزمة تضمن استمرار المصالح الخارجية حتى لو بقي اليمن نفسه ضعيفًا ومجزأً.
خرجت بريطانيا من عدن عام 1967، لكنها لم تنسَ باب المندب، لأنها لم تكن موجودة في عدن من أجل عدن نفسها، وإنما من أجل الطريق الذي تمر عبره. وفي الماضي حافظت على هذا الطريق من خلال الاحتلال المباشر وشبكة السلاطين والمشايخ والإمام الذين حافظ وجودهم على يمن مجزأ لا يستطيع تهديد مصالحها، أما اليوم فقد تغيرت الأدوات ولم تتغير الجغرافيا. إيران صنعت أهم أداة مسلحة في المعادلة اليمنية الجديدة، وهذه الأداة منحت أمريكا وبريطانيا السبب الذي يسمح لهما بالعودة العسكرية والسياسية إلى البحر الأحمر تحت عنوان حماية الملاحة.
هكذا تتغير الرايات والأسماء وأشكال التدخل، بينما تبقى المصالح والجغرافيا أكثر ثباتًا. باب المندب الذي جعل عدن مهمة بالنسبة للإمبراطورية البريطانية قبل ما يقارب قرنين لا يزال هو نفسه الممر الذي يستدعي اليوم الأساطيل والقواعد والتحالفات، وأضيف إليه اليوم أمن النفط الخليجي والتجارة العالمية التي تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وبين الماضي والحاضر بقيت المشكلة اليمنية نفسها تتكرر بأشكال مختلفة: قوى خارجية تعرف جيداً ماذا تريد من اليمن، وسلطات محلية تجد في الخارج سنداً لبقائها، بينما يدفع اليمنيون ثمن غياب الدولة التي تستطيع أن تقرر بنفسها كيف تحمي أرضها وموانئها وباب مندبها.

ختاماً : فإن ما يجري اليوم في باب المندب ليس منفصلًا عن تاريخ طويل من الصراع على موقع اليمن وممراته البحرية. تغيرت الأدوات، وتبدلت القوى، لكن محاولة التحكم في اليمن من خلال موقعه الاستراتيجي بقيت حاضرة بأشكال مختلفة. ومع ذلك، فإن هذه المعادلة لن تستمر إلى الأبد؛ ففي النهاية، الشعب اليمني هو صاحب الأرض وصاحب القرار، وهو الذي سيحسم شكل دولته وعلاقته بهذه الممرات التي صنعت أطماع الآخرين فيه. ومثلما طرد اليمنيون الاحتلال من قبل، سيفعلون ذلك مجدداً، أياً كانت أدواته أو القوات التي تقف خلفه، لأن باب المندب وعدن واليمن كله يجب أن يعود قرارها إلى اليمنيين أنفسهم.


Create Account



Log In Your Account