الجمعة 06 مارس ,2026 الساعة: 02:23 صباحاً
لم أكن أضع في حساباتي الشخصية مسألة السفر إلى المملكة العربية السعودية، لكني وجدت نفسي في فجر 27 أغسطس 2025م على موعد مع إقلاع "طائرة اليمنية" من مطار عدن إلى مطار جدة الدولي: كنت على متنها مع شريكة عمري ام زين العابدين، حاملاً في حقيبة سفري، كتابين فكريين للعروي وبلقزيز، وفيزا علاجية، للعلاج في مركز القلب بمدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية بالرياض.
قبل أسبوع من سفري، كنت في لقاء بفندق تاج شمسان مع صديقي الصحفي الكبير والملحق الإعلامي جمال أنعم، بمناسبة حضوره إلى المدينة وتقديم ندوته الفكرية عن تعز الثقافة. أتذكر تلك الليلة قال لي: "ستصل إلى الرياض وسوف تجد الفرق الكبير"، ربما لأنه كان يدرك أن سفر مثلي لن يكون مجرد ذهاب عابر إلى المستشفى للعلاج فقط، بل سيكون أيضاً تأملاً سياسياً في كثير من الأسئلة التي سوف تدور في رأس السياسي والكاتب، وذلك "فعلاً" ما دار في رأسي منذ الوهلة الأولى في رحلة علاجي الممتدة من 27 أغسطس إلى 28 أكتوبر 2025م.
مع أول قدم تضعها " كأجنبي " قادم إلى المطارات السعودية، لا تستقبلك وجوه عشوائية أو تجاعيد عابسة، أو حتى أيادٍ تنتظر منك شيئاً مقابل خدمة أو إرشادات، كما لاحظت ذلك في بعض المطارات العربية، بل تستقبلك "دولة المملكة" بكل هيبتها ونظامها. تشاهدها كأجنبي في وجوه الموظفين الباسمين، ماثلة أمامك ملء العين بكل كيانها السياسي والقانوني، ومع تتابع الخطوات داخل الأراضي السعودية تدرك أن استقبال المطار ليس مجرد طقوس شكلية لدخول المملكة، كما لو أنه مجرد فلاشة أو إعلان ترويجي للسائحين، بل هو البيان العملي الأول لفلسفة الحكم داخل حدود المملكة العربية السعودية. فمثل هذا الحضور المؤسسي لدولة النظام والقانون، يظل يلازمك أينما حللت وتحركت داخل جغرافيا المملكة الشاسعة، كما أن دولة المملكة تطالك «حراسةً وخدمةً وضبطاً» أينما كنت في السعودية.
في شوارعها النظيفة والمنظمة، حيث تسير حركة المرور كسيمفونية محكمة، تجد الدولة السعودية حاضرة كحارس أمين على حياة المواطنين وسلامتهم. وفي تفاصيل الحياة اليومية أيضاً، من دكان الجزار إلى رفوف الصيدليات ومن مراكز التسوق، إلى داخل المستشفيات والمرافق العامة، تمتد أيادي الرقابة الحكومية غير المرئية لتحمي صحة الإنسان والمجتمع، وحتى جودة الحياة العامة التي يجب أن تكون بمقاييس الرفاهية لا بمقياس الأمان والسلامة فقط.
حتى في اللحظة التي تبحث فيها عن موقف لحظي لسيارتك على جانب الطريق، عليك أن تراعي كثيراً من الأشياء المتعلقة بالسلامة المجتمعية والأمان الشخصي والمجتمعي قبل أن تركن سيارتك على جانب الطريق، ناهيك عن عدم وجود أطفالك على المقاعد الأمامية، وعدم وقوفك في المساحات المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، وإلا تعرضت للمخالفات المرورية
من بيت الله الحرام مكة المكرمة، وحتى المدينة المنورة، إلى آخر مسجد في أطراف المملكة، لا يعلو صوت في منابرها على صوت الخطاب الرسمي المعتدل والعقلاني القادم من مكتب وزارة الأوقاف المعبر عن توجه الدولة الحاكمة وليس عن هو ورغبة الأفراد، فخطاب الدولة هو الذي يجب أن يتردد كل جمعة على مسامع المواطنين. لقد أدركت الدولة الصاعدة في المملكة العربية السعودية أن المعركة الحقيقية هي معركة تغيير الوعي والقضاء على خطاب الكراهية المنفلت. فلم يعد هناك مكان للفوضى الفكرية، ولا مساحة للغلو والتطرف في بيوت الله، ومساجد العباد فالدولة السعودية بوجودها وإدراكها لمتغيرات العصر الحديث، بسطت هيمنتها الكاملة على كل المساحات بما فيها مساحة الضمير والوعي والخطاب الديني.
سعودياً كنت أو أجنبياً عندما تخرج من منزلك وتنتقل إلى الفضاء العام، يكون "النظام والقانون" دون غيره هو الطرف الذي تتفاوض معه دائماً وأبداً حتى تعود إلى منزلك، وحتى داخل المنزل ستجد الدولة حاضرة بدورها تحمي سلامة الأطفال والنساء من العنف الأسري. وستجدها عبر برامج "الرعاية الاجتماعية" تصل إلى منازل المحتاجين والأرامل عبر المنصات الإلكترونية، وغيرها مما يجعل حضور الدولة المؤسسية خادماً وراعياً ليس في تفاصيل الفضاء العام فقط، بل داخل الجدران المغلقة والخاصة بالمواطن والمقيم داخل حدود المملكة.
الدولة السعودية أصبحت حاضرة ككيان سياسي وقانوني مكثف في حياة الإنسان داخل المملكة، وحضورها يجسده بالقوانين والأنظمة والتعليمات واللوائح الواضحة للجميع وفي مصلحة الجميع،
فالدولة لم تعد فقط قابلة للغياب في حركة الزمان وثبات المكان داخل المملكة العربية السعودية، بل أصبحت صيرورة تاريخية متقدمة، وحقيقة وجودية ناظمة وشاملة في معادلة الفرد والمجتمع، وفي معادلة الثروة والنهضة، وفي معادلة البناء والتنمية ومحاربة الفساد، وفي معركة المستقبل التي تتحول معها المملكة العربية السعودية يوماً بعد يوم إلى دولة وازنة ومؤثرة على مستوى الإقليم والعالم.
من نافلة القول، أستطيع الجزم بأنه لا شيء داخل المملكة العربية السعودية قابل اليوم للصدفة والارتجال، ولا شيء قابل للفوضى ولا شيء يتأسس في فضاء "اللا دولة" الذي تلاشى مع تلاشي الماضي الذي تغير مع صعود الأمير محمد بن سلمان.
ما يلفت نظرك على المستوى السياسي والاجتماعي، شيئان اثنان: الأول: تلك الثنائية القابلة للبقاء والاستمرار: نظام سياسي ملكي راسخ، يتكئ على قواعد متينة وكتلة تاريخية (عانقت الحلم السياسي الأول في مدينة الدرعية التي تحولت اليوم إلى قبلة سياحية) ودولة عصرية مؤسسية تتشكل وتتسع بحجم التطلعات الاجتماعية لا بحجم الجغرافيا وحدها.
والثاني: اتساع رقعة المصالحة الوطنية بين تطلعات جيل الشباب داخل المملكة وتوجه الأمير محمد بن سلمان المعبر عنها، وهذا الاتساع، بقدر ما يشكل حالة وجدانية تقدمية على المستوى الوطني، يشكل في نفس الوقت حاضراً ملموساً ينعكس أثره كل يوم في تدفق الشباب والشابات إلى سوق العمل والإنتاج ومرافق الدولة والقطاع الخاص وهو الأهم في معركة المستقبل الوطني الواعد بالنسبة للدولة السعودية التي تواكب العصر وتسابق الزمن الرقمي برعاية ولي العهد.
على هذا الأساس تكمن المفارقة الكبرى وحتى الأسئلة الكبيرة تطرح على الطاولة: فهل المملكة الوراثية داخل المحيط العربي فعلاً أنتجت بكل جدارة واقتدار دولة المؤسسات العصرية؟ أتحدث عن الدولة التي عجزت عن إنتاجها جمهوريات شاخت أمام شاشات البرلمانات وصراعات نخبها السياسية التي دمرت الحاضر وعاقت طريق المستقبل السياسي والوطني في بلدانها العربية.
صحيح أن السعودية كبلد هي جزء من الجيوسياسية العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج وعلى هذا الأساس لن تخلو من سلبيات وستجد في طريقها كثيراً من التحديات الجيوسياسية والثقافية، وهي تحديات لا يتسع المقال لذكرها، لكن الأهم في الأمر أنني في زيارتي القصيرة، شاهدت ما يستحق الثناء والتقدير وحتى الدهشة لاسيما حين تشعر أنه لا مجال مطلقاً للمقارنة مع واقع الجمهوريات العربية وبعض الجمهوريات خارج الفضاء العربي: نعم شاهدت تقاسيم وجه الدولة المشرق في السعودية يعانق المستقبل ليس في النظام والقانون فقط، بل في كل مكان وفي كل شيء داخل حدود المملكة.
فعلى سبيل المثال وليس الحصر شاهدت وجه الدولة المشرق في الاندماج الاجتماعي الخالي من الانقسامات العبثية داخل المجتمع، وهذا يعزز وطنية الدولة وفكرة المواطنة المتساوية، وشاهدت وجه الدولة المشرق في بيت الله الحرام والمسجد النبوي وفي الشوارع التي تشبه تحفاً معمارية منظمة، وفي ناطحات السحاب التي تشكل المركز المالي في الرياض وفي الجسور المعلقة التي تقطع السماء كالأساطير، وفي قطارات الحرمين السريعة التي تختزل الزمن والمكان، وداخل المستشفيات والمرافق الحكومية وخدماتها، وفي النهضة الاقتصادية، ورفاهية الموطن شاهدت الدولة في مكان آخر بقيادة الأمير محمد بن سلمان تكسر الحواجز والأغلال المحيطة بدور المرأة وتمكينها الاجتماعي والاقتصادي بعد أن كانت ممنوعة حتى من قيادة السيارة!
شاهدت الدولة في الرقابة الصارمة على المنتجات والسلع والجودة، وفي حماية الأمن والأمان والسلامة المجتمعية، وفي الرقابة على المقاييس والمواصفات، وفي التحول الرقمي المذهل الذي يختزل الزمن في "نقرة"، وفي التخطيط الحضري الذي يبدو كأنه يستشرف المستقبل من قلب الحاضر وتحديات الصحراء.
شاهدتها في شفرة العنوان الوطني الذي لم يعد دليلاً للفرد يوصله إلى أي مكان أو مرفق أو منزل في السعودية عبر اللوكيشن المرسل إلى جوالك، بل نظاماً دقيقاً ومفصلاً متكاملاً يهدف إلى رفع كفاءة الخدمات اللوجستية والحكومية والطوارئ داخل المملكة، بحيث أصبح استخدامه إلزامياً وشائعاً في جميع مناحي الحياة، وهو يمثل خطوة مهمة في رحلة التحول الرقمي ورؤية السعودية 2030 لبناء مجتمع رقمي متكامل.
والأهم من ذلك كله، شاهدت الشغف الجامح الذي ينمو بسرعة مذهلة داخل المجتمع السعودي، شغف مغادرة الماضي، والانطلاق نحو آفاق عصرية لم تعد حلماً مستقبلياً، بل تتأسس كحاضر حديث في السعودية، هذا الشغف لم يعد حكراً على النخبة الثقافية، بل تجد انعكاسه المباشر على نفسية المواطن السعودي البسيط، الذي أصبح يشعر بأنه جزء من مشروع وطني ضخم يتشكل بمنطق الدولة وثقافة المواطنة القانونية، لا مجرد فرد أو قطيع في أرض المملكة أو في تظاهرات الملك أو الحاكم بحسب النمط والثقافة العربية. بمعنى آخر من يحكم في السعوديه سلطة الدولة وليس تاريخية المملكة بمفهومها التقليدي.
مع هذا وذاك، إلى جانب كيان الدولة الملفت للنظر شاهدت عظمة المملكة العربية السعودية التي تتسع لأرزاق كل الناس، من مختلف الألوان واللغات والجنسيات، لدرجة أنك قلما تجد مكاناً تجلس فيه ولا يشاركك فيه أحد الوافدين لحظاتك اليومية في هذا المكان أو ذاك. إنها دليل آخر ليس على قوة الدولة وقدرتها الإيجابية في التعاطي اليومي مع كل متحرك وثابت من منطلق المسؤولية الوطنية والحرص الشديد على سمعة المملكة فقط، بل أيضاً على ترحاب الشعب السعودي الكريم، واتساع المملكة العربية السعودية التي تستوعب كل يوم حضوراً مكثفاً للأجانب الوافدين من مختلف العرقيات والأمم دون أن تفقد هويتها العربية والإسلامية.