الإثنين 08 ديسمبر ,2025 الساعة: 01:17 مساءً
التاريخ ليس أحداثًا عابرة، بل عقولٌ تصنعها أولًا ثم تتحول إلى تاريخ.
الفكرة التي تغيّر مصائر الأمم لا تُصفّق لها الأيدي في القصور، بل تُصاغ في لحظات التوتر والاختبار، حيث يصبح الفكر إما فاعل مبتدأ أو مفعولًا به.
وبهذا المنظور نختتم رحلة فهم عقلين يقودان وفق رؤى متباعدة:
العقل اليمني والعقل السعودي.
فالأفكار الناتجة عن عقلية الدول أشبه بأكياس الشاي التي تُمتَحن بالماء الحار لمعرفة نكهتها وجودتها وهو ما سأقوم به بهذه الرحلة القصيرة والحارة.
---
أولًا: العقيدة الأمنية السعودية — ثلاث ركائز توجه القرار
لو حاولنا استزراع تلك الركائز سنجدها على النحو التالي:
1- الولاء السياسي للشعب
ارتكزت الذهنية السعودية على الولاء للأسرة الحاكمة ثم القبيلة ثم “لمؤسسة النظام والقانون”.
المضاف والمضاف إليه بهذا التوازن خلق أمنًا اجتماعيًا ثابتًا:
الشعب يرى أن قوة الدولة من قوة الأسرة… والعكس صحيح.
2- صناعة أوراق الضغط
السياسة السعودية لا تنتظر الخطر عند حدودها، بل تذهب نحوه مسبقًا:
واجهت عبد الناصر والقومية العربية، ثم صدام حسين، وقبلهم الهاشميين في العراق والأردن وسوريا.
الفقاسة الدافئة لفكرة الضغط للضغط هي استقبال المعارضين.
مثال: عام 1940 حين منحت الرياض اللجوء لرشيد الكيلاني كورقة ضغط موجعة للهاشميين ولندن.
وهذا النهج لم يبق في الماضي، بل استمر كتقليد سياسي ثابت:
في اليمن — احتواء المعارضة منذ 1962، ثم استخدام القبائل كورقة ضغط ضد النظام.
وحديثًا: المجلس الرئاسي
مساعدة تحمل نوايا دعم، لكنها حشرٌ للإخوة الأعداء في زاوية حادة تعمّق الانفصال باسم الشرعية.
هذه ليست صدفة بل قناعة راسخة:
إبقاء الجوار بأقل قوة… خير من صعود جار قوي.
3- الوصية التاريخية
السياسة السعودية محكومة بإرث المؤسس:
«خيركم وشركم من اليمن»
«مصر عمق استراتيجي لا يُمس»
لهذا تُعطي مصر مليارات الدعم، بينما اليمن قلق استراتيجي مؤجل الحل.
---
ثانيًا: الخذلان الأمريكي… دروس تُنسى
فتح صندوق الخذلان مؤلم…
البريمي 1953 — زيارة دالس وزير حارجية أمريكا تواجه غضبًا سعوديًا من حياد واشنطن.
قال دالس عبارته الشهيرة:
«لن تتقاتل دولتان عظميان لأجل تسع واحات بالبريمي.»
تكررت المأساة:
قصف الطيران المصري الجنوب
صواريخ الحوثيين على أرامكو
وكان يفترض أن تُبنى مراجعات استراتيجية، لكن…
الجانب الأمني بقي كعب أخيل رغم التطور الاقتصادي والإداري والاجتماعي.
وظلت متعلقة بامريكا ولم تبني محيطا إقليمي قوي وعلاقات سلام دائمة تكون قوتها الرادعة
ثالثًا: الجذور النفسية للعقلين — القحطانية والعدنانية
لم تعد هذه الجذور تحتل جزء مهما في دفتر السياسة للبلدين بل هناك دول أخرى تقوم بوضع ذلك لتصبح القحطانية والعدنانية ليس صراع نسب… بل صراع رؤية:
اليمني: ابن حضارة تاريخية، يثق بعاطفته وذاته العليا
السعودي: مهندس قوة هادئة، يراكم النفوذ بصبر
وحين تنتقل هذه الذهنيات من الوعي التاريخي لمسرح القرار
يصطدمان بأدوات حديثة ويستخدمان دوافع قديمة.
رابعًا: اليمن والسعودية توافق اللحظة يشعل حربًا
الخطر يبدأ حين يتشابه القرار السياسي لجارين:
شكل العيد العاشر للوحدة فاصلة مهمة بالعلاقة بين الدولتين حيث رأت السعودية أن اليمن سعت لتكون:
قوة فاعلة
جيشًا قويًا
مؤسسة رئاسة صلبة
تراجع دور القبيلة
وهو الطريق ذاته الذي سارت فيه السعودية وكما يقال بالسياسة ان النظر لشيء بنفس الاهمية والتطابق يؤدي للصراع.
مع تغيّر الخريطة الدولية طريق الحرير، طريق البهارات قوى عالمية صاعدة إشتعلت الحرب لتظل اليمن بطريق الاحجار والسيول الجارفة.
اعتادت الرياض مراقبة المشهد قبل الضربة، دخلت الحرب مباشرة لأول مرة شعرت بالكارثة،عادت مسرعة لنهجها كلاعب صبور يحسن التريّث والمناورة.
خامسًا: التريّث فوق العاطفة لإدارة الملفات الإقليمية
السعودية تُبقي أوراقها بيدها حتى اللحظة الأخيرة…
احتواء ثم ضغط ثم ضربة خاطفة.
مثال: سوريا
11 نوفمبر 2024 تم استقبال الأسد في الرياض لأجل المصالحة وإعادة العافية للعلاقة العربية
وبالتوازي مع ذلك تم دعم قوي للمعارضة بقيادة أحمد الشارع.
وبعد 27 يومًا من التصالح يسقط الأسد ونظامه!!!!!
يبدو أنها كانت تلك عافية الموت قبل السقوط.
مثال: اليمن — كسب الوقت
10 أبريل 2023 — زيارة السفير السعودي لصنعاء لبحث الرواتب والإعمار.
عاد للرياض للتشاور…
لكن تلك الدراسة كانت تكتيك انتظار مقصود بانتظار اتضاح شكل التحرك الدولي.
فالوقت هنا جزء من المعركة وليس ترددًا.
التريّث سلاح قاتل…
والأوراق لا تُرمى بل تُجمَع.
قالها ولي العهد نستطيع الوصول ولكن سيكون هناك عزاء بكل بيت والزمن كفيل لإصلاح الامور
إنها عقلية الوعد بإعداد بنت الصحن… ولكن دون سكب العسل والسمن!
سادسًا: اليمن… حين تواجه القحطانية نفسها!
من الأشعث بن قيس في صفين يجتمع مع أصحابه:
القاتل يمني… والمقتول يمني
لابد لهذه الحرب ان تنتهي وتتوقف وإلا فإنهم سيتقاتلون حتى أخر يمني
من صفين إلى وحدة 1990…
الدولة والمعارضة في جسد واحد
كل طرف ينتظر لحظة الانقضاض على شريكه.
وثيقة العهد والاتفاق هي الأخرى اختبار تموضع لا التزام دولة.
اتفاق الرياض والمبادرة الخليجية…
السعودية رتّبت السياسة قبل الأمن .
بينما القوى اليمنية أعادت التموضع قبل الالتزام فلا وثيقة العهد ولا المبادرة الخليجية وضعت الثلج فوق رؤس اليمنيين.
وفي النهاية…
القاتل يمني والمقتول يمني والمصير معلق بين عقلين لا يلتقيان.