الحوثي وزهو القوة وكسر المحرّمات
الخميس 17 سبتمبر ,2026 الساعة: 02:01 مساءً

إسقاط المسيّرات والصواريخ الحوثية التي اعلن من قبل السلطات السعودية  إنها كانت متجهة نحو مكة لا يمكن قراءته، باعتباره مجرد واقعة عسكرية أو جولة أخرى من التصعيد. المسألة أعمق من ذلك؛ فهي تكشف إلى أي مدى يمكن أن يبلغ زهو القوة بجماعة تتوهم أن امتلاك الصاروخ والمسيّرة يبيح لها تجاوز كل سقف، حتى ما يفترض أنه خارج الحسابات والصراعات والمحرمات.

ونحن اليمنيين نعرف هذا السلوك قبل غيرنا. خبرناه حين انتهكت حرمة المساجد، وفجرت البيوت، ونهبت الأموال والممتلكات، واعتدي على كرامة الناس وحرياتهم. وحذرنا مرارا من أن المشكلة ليست في خطاب الجماعة الذي تقدمه للعالم، بل في بنيتها وممارستها؛ فباطن المشروع أعمق كثيرا من الشعارات التي يرفعها، وكلما اتسعت قدرته على البطش ظهر منه ما كان يخفيه ضعف القوة أو ضرورات الخطاب.

وبعد كل هذه السنوات لم تتحول جماعة الحوثي إلى دولة، ولم ولن تتعلم منطق السلطة المسؤولة، ما يزال جوهرها قائما على السلاح والإخضاع والنهب والسرقة وصناعة الخوف، وعلى إدخال اليمن واليمنيين في صراعات تتجاوز مصالحهم. وأخطر ما يصيب الجماعات المسلحة هو نشوة الانتصار المؤقت؛ حين تتحول المكاسب العسكرية في وعيها إلى اعتقاد بأنها أصبحت فوق الحدود والقواعد والمحاسبة.

ولهذا أقول: من عرف ما فعلته الجماعة باليمنيين لا يصعب عليه أن يتخيل ماذا يمكن أن تفعل بغيرهم إذا امتلكت القوة نفسها عليهم. لو امتلكت سلطة مطلقة على الفلسطينيين فلن يكون شعار فلسطين ضمانة لحقوقهم، ولو امتلكت القدرة على اجتياح المملكة فلن تكون المقدسات أو أموال الناس وممتلكاتهم وحدها كافية لردع منطق الغلبة، ولو تبدلت علاقتها بسلطنة عمان فلن تكون الصداقة السياسية وحدها ضمانا دائما أمام مشروع يرى القوة أصلا للعلاقة مع الآخر. المسألة ليست في اسم البلد، بل في طبيعة السلطة التي لا يحدها قانون ولا مساءلة.

لكن على الحوثيين أيضا ألا تغرهم هذه الشَّرّة العسكرية التي يمرون بها، ولا ما جمعوه من سلاح ولا ما حققوه من تقدم. التاريخ أطول من لحظة انتصار، وموازين القوة لا تثبت لأحد. واليمنيون الذين قاوموا كل هذه السنوات لم تنته قدرتهم، ولم يقل التاريخ كلمته الأخيرة.

قد يصنع الصاروخ خوفا، وقد تنتزع القوة أرضا، لكنها لا تصنع شرعية، ولا تجعل المليشيا دولة، ولا تحول السلاح إلى وطن، ولا تجعل إخضاع اليمنيين قدرا أبديا. واليمن أكبر من لحظة ضعف، وأطول عمرا من جماعة مهما بلغت نشوتها بالقوة.


Create Account



Log In Your Account