رفقاً بتعز… فالعدالة طريقنا إلى الوطن الآمن
الثلاثاء 28 أكتوبر ,2025 الساعة: 07:22 مساءً


عندما تندلع الثورات في العالم، لا تخلو مراحلها الأولى من الفوضى والاختلالات والتجاوزات، بل قد تصل أحيانًا إلى حد الانتقام والتصفيات كردة فعل على مظالم وممارسات سابقة مارسها الطغاة ضد الثوار. هذه الحالة وإن كانت مفهومة في سياق التحولات الكبرى، إلا أنه من الضروري ضبطها والسيطرة عليها مع مرور الوقت حتى لا تتحول الثورة أو المقاومة إلى فوضى.

وكما هو الحال في الثورات، فإن الحروب بين الدول أو حتى الحروب الأهلية داخل الدولة الواحدة، تشهد أيضًا تجاوزات وانتقامات متبادلة بين الأطراف المتصارعة، وغالبًا ما تُبنى تلك الأفعال على تقارير مغلوطة أو كيدية تغذي نزعة الثأر لا أكثر.

وعند تغيير الأنظمة السياسية، تتكرر المشاهد ذاتها؛ انتقام، وتصفيات، وارتكاب جرائم لا تُحصى، وقد سجل التاريخ شواهد كثيرة على ذلك منذ القدم وحتى اليوم.

وهنا أود أن أضرب مثالًا لإخواننا من أبناء التيارات اليسارية والقومية، الذين بات بعضهم اليوم يتحدث بلغة المثالية المفرطة، ويخوض في الجدل والتنظير حول ما يجري في تعز.

نحن وأنتم متفقون على رفض أي تجاوزات أو جرائم، وقد عايشنا مرارتها منذ اليوم الأول. لكن من غير المنصف أن نتصنع المثالية أو نزعم الطهارة المطلقة، ونحن ندرك جيدًا ما ارتكبته الأنظمة التي تبنيناها في مراحل سابقة. فالنظام الاشتراكي مثلًا انتهج سياسة التأميم، فصادر أملاك الناس، وحارب رأس المال والتجار وكمم الأفواه وارتكب الجرائم كما جرى في جمهورية اليمن الديمقراطية سابقًا وهذا الحال لازال الكثير منا يتذكره ويتذكر التصفيات والحروب التي كانت تتم بين أطراف ونخب الحزب الاشتراكي  

وكذلك الأنظمة القومية التي سارت في الاتجاه نفسه، فأمّمت، وصادرت، وأسكتت الأصوات المخالفة، وأزهقت أرواح أبرياء بناءً على تقارير كاذبة أو وشايات مغرضة.

إننا لا نقر تلك الجرائم ولا نبررها، لكن علينا أن نتذكرها ونأخذ العبرة والعظة منها حتى لا نكررها، فالتاريخ دوّن كل شيء، ولا ينكر تلك الحقائق إلا جاحد أو مكابر.

واليوم، من العيب أن نتعامل مع تعز وكأنها “المدينة الفاضلة” التي تخلو من الأخطاء والجرائم، فيما الواقع ينطق بعكس ذلك. علينا أن ننظر بموضوعية، ونواجه تلك الانتهاكات بعين العدالة لا بعين العاطفة. فالعدالة وحدها هي الضمان الحقيقي لأمننا جميعًا ولقيام دولة القانون الذي ننشده جميعا  

ولعل المؤسف أن البعض يروج لصور وأخبار لا تمت للحقيقة بصلة كما حدث مؤخرًا حين تم تداول صورة لفتاة قيل إنها قُتلت في تعز، ليتضح لاحقًا أنها فتاة مصرية. فما الفائدة من إلصاق الأكاذيب بتعز سوى تشويه سمعتها والإساءة إلى أهلها ورجالها وأبطالها الذين كسروا شوكة الطغاة المجرمين المعتدين على تعز ؟

لا أحد منّا معصوم من الخطأ، وما نحتاجه اليوم هو أن نعمل جميعًا بروح الفريق الواحد لتجاوز مرحلة الثورة والمقاومة الشعبية ضد مليشيا الحوثي الإجرامية وحلفائها. نعم، هناك تجاوزات وأخطاء، لكن معالجتها تكون بالحكمة والعدل لا بالتحريض والتشهير.

تعز لا تزال تحت الحصار والنار، وتئن من الدمار، وتعاني من شح الماء والدواء والهواء، ومع ذلك صمدت وتشبثت بالحياة. فلا يجوز أن نجلدها ونحن نعلم ما تعانيه.

علينا أن نتذكر أن تغيير الأنظمة دائمًا ما يصاحبه اضطراب وانتقام، لكن واجبنا اليوم أن نكسر تلك الحلقة المفرغة، وأن نتخلى عن ادعاء المثالية الزائفة، فالتاريخ مليء بالصراعات والدماء التي تكفينا عبرة ودروس في الحياة

رفقًا بتعز… فهي أمّنا جميعًا. ومن حقنا أن نطالب بالعدالة، وأن نلاحق القتلة والمجرمين ليُحاكموا أمام القضاء، لكن من الخطأ أن نلقي باللوم كله على الأجهزة الأمنية ونتجاهل دور القضاء. فالتراخي القضائي في بعض القضايا، والإفراج عن متهمين دون مبرر مقنع، يدفع الشارع إلى دائرة التحريض ضد الأجهزة الأمنية التي قامت بواجبها في إحضار الجناة إلى العدالة.

إن الإنصاف والعدالة هما السبيل الوحيد لبناء وطن آمن ومستقر، أما المزايدات والمثالية المزعومة فلن تجلب سوى مزيد من الانقسام والتشويه .


Create Account



Log In Your Account