الإمام يحيى يغزو الجنوب 2-2
السبت 07 أبريل ,2018 الساعة: 07:52 مساءً

كان هناك مَشايخ كُثر قَدموا الطاعة للإمام، وتبعاً لذلك تَدخل بعضهم لإيقاف سعير المُواجهات، تنكر الغزاة لجهودهم، ولم يقبلوا شفاعتهم، يقول «ذيبان»: «تقدم جيش الزيود وهدموا دار الشيخ صالح عبدالحبيب، ولم يتمكن الشيخ ثابت عثمان في اقناعهم بالعدول عن ذلك»، الأمر الذي ولد ثارات وأحقاد، اُتهم «ثابت» بالتواطؤ مع الغزاة، قتله المقامون، وكذلك فعلوا بالشيخ صالح أسعد البكري، فيما بعد.

لم يخسر المشايخ الخانعون بلدهم وأهاليهم فحسب، بل خسروا أنفسهم، تعرضوا لصنوف شتى من الإذلال، صيرهم الغزاة ورعاياهم كعبيد لتوفير المؤن، وإيصالها مع الذخائر إلى أماكن المواجهات، ومن تخاذل منهم كان مصيره السجن.

وهذا الشيخ محمد صالح لخرم، صحيح أن الأئمة أحسنوا استقباله ـ حين أعلن طاعته بادئ الأمر ـ وأطلقت له المدفعية في قعطبة أربع طلقات ترحيبية، وخصوه بمرتب شهري، وعينوه حاكماً على بلاده، إلا أنهم ـ فيما بعد ـ لم يرحموا كُهولته، حبسوه لسبعة أشهر، ولم يفرجوا عنه إلا بعد أن افتدى نفسه بمال عظيم، وكذلك فعلوا بالشيخ عبدالنبي العلوي، والشيخ مقبل عبدالله، وقد نُقل عن الأخير قوله وهو في سجنه بصنعاء:
قال أبو سيف من صنعاء ذكرت البلاد
وني كما الحيد ذي مابتليَّن حجاره

كان ذلك التخاذل من أهم أسباب سقوط ردفان، وفي ذلك قال «ذيبان»: «تمكن الزيود من التمركز وبناء المراتب في بلاد البكري، وفي سليك، حيث استخدموا الناس بالسخري.. فقدمت القبائل المقاومة الطاعة، وسلمت الرهائن..».

«يا مُكسي العَاري ومُخضر العُود.. نَجي قَائد مِن حَرب لجْعُود»، هكذا كانت قد توسلت إلى الله تعالى زوجة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، بعد أن توجه الأخير بمجاميع كثيرة من قبيلته إلى جبال ردفان، تعزيزاً للقوات الإمامية المُنكسرة هناك، نجا «قائد»، إلا أن «جبال ردفان» ابتلعت مئات الجنود.

قبل سقوط ردفان بعدة أشهر، عُقد في القاهرة «مؤتمر الشرق الأوسط»، وكان من أهم توصياته الاعتراف بسلطة الإمام على المحميات، إلا أن المقيم السياسي في عدن عارض ذلك وبشدة، وقد ساهم ذلك التخبط الانجليزي بفتح شهية الإمام، طالبهم صراحة بأراضي أجداده، وأبتدأ بمراسلة السلاطين، وحثهم على الانضمام إليه، وقد انخدع به البعض.

بفشل المُفاوضات بينه وبين الانجليز «1923»، أخذ الإمام يحيى «البيضاء، وإمارة العلوي، والأميري، والمسبعي، والعواذل العليا، والعواذل السفلى» من تحت أيديهم، كما تمكن من السيطرة على الحديدة «1925» دون قتال، زال بذلك مبرر وجوده في المحميات، حسب رؤية المقيم السياسي في عدن، فأرسل بداية العام التالي إلى صنعاء بالسير جلبرت كليتون، ليعود الأخير منها بعد «26» يوماً خائباً.

السماح للإمام يحيى بالبقاء في المناطق التي احتلها، سيحفزه أكثر لمعاودة القضم التدريجي لباقي المحميات، كانت هذه هي النتيجة التي استخلصها «كليتون» من محادثاته تلك، مُشدداً على ضرورة استخدام القوة لحل ذلك النزاع، وقد دون في مذكراته: «أن استخدام سلاح الطيران الملكي البريطاني ضد اليمن، أمر لا مفر منه».

بأسلوبه التقليدي المُذل، حكم الإمام يحيى تلك المحميات، عض حينها من ناصروه أصابع الندم، وتوجه بعضهم صوب الإنجليز طالبين المُساندة، وقد حمل المؤرخ ذيبان الإمام مسؤولية ذلك، قائلاً: «لو كان الإمام جعل حملته ذات طابع وطني، دون أن يُثقل كاهل المواطنين، ما تخلف عن أمره أحد».

وفي المقابل، كان «أمير اللواء» يحيى عباس، من كبار غلاة الزيدية، عمل أثناء توليه تلك النواحي، على إذلال الرعية، وإجبارهم بأن يتحاكموا بموجب المذهب الزيدي، وأن يزيدوا في الأذان بـ «حي على خير العمل»، بل ووصل به تعصبه بأن يفسخ زواج العلوية من غير العلوي، وقد اتهمه أحمد الشامي ـ ابن «عامل الضالع» ـ بأنه كان يحبذ سياسة القوة، والتشدد، وعدم الاقتناع بما في اليد، مما أدى إلى تجدد المواجهات.

وهذا أمين الريحاني أثناء رحلته إلى اليمن «1922»، التقى بمواطنين من «لحج، والحواشب، وماوية»، استغرب من تفضيلهم للأتراك والإنجليز على الإمام، قدم حينها نصيحته الصادقة للأخير، قائلاً: «لو حكم الإمام يحيى حكماً مدنياً بحتاً، لا حكماً زيدياً، لتمكن من تحقيق مطامعه السياسة، أما اليوم فالشوافع في حكمه غير راضين».

وهي الصورة ذاتها التي عمد عبدالعزيز الثعالبي على نقلها في كتابه «الرحلة اليمنية»، أثناء مروره من مدينة السياني «1924»، صحيح أن رجالها منعهم الخوف من الإفصاح عن مكنونات استيائهم من الإمام وعساكره، إلا أن النساء تحدثن له بقوة عن ذلك، قالت إحداهن: «وأما حكم الزيدية فنحن لن نرضى به أبداً، ولا يمكن أن يدوم، فهم بدويون لا يدرون قيمةً للحرية، ولا يذوقون طعماً للعدل، دأبهم أن ينهكوا كواهلنا بالجبايات، وينعموا بها».

وما أثار استغراب «الثعالبي» حينها، حنين أولئك النسوة لحكم الأتراك، وحديثهن بحسرة عن ماضيهم، وعن الخير الوفير الذي جادت به الأرض أثناء تواجودهم، وأنهن لم يعرفن في عهدهم مجاعة ولا استلاب، مُتسائلات: «متى يعود الأتراك؟!»، وحين قاطعهن: «كيف يعودوا وأنتم قاتلتموهم»، ردت ذات الفتاة: «لا تتهمنا باطلاً، فإننا لم نقاتل الأتراك، بل كنا نموت إلى جانبهم فداء لهم، وإنما قاتلهم الزيدية، وهم أعداؤنا وأعداؤهم».

اشتعلت جبال ردفان بداية العام «1928» بالثورة، وتمكن أبطالها الصناديد من طرد الحامية الإمامية في «حصن سليك»، أرسل عامل قعطبة بـ «900» مُقاتل، تعزيزاً للقوات المنهزمة هناك، هزمهم الثوار، قتلوا «18»، وأسروا ثمانية، وأتموا ثورتهم باستعادة «الحامورة، والردوع، والدمنة، والبكري»، الأخيرة سلماً، وهكذا تحقق لهم تحرير ردفان قبل تدخل الإنجليز.

وجد الانجليز في دعوة المشايخ لتدخلهم فرصة ذهبية للانتقام من الإمام يحيى، الذي سبق وتحالف نكاية بهم مع الطليان، دعموا الثوار بالأسلحة المتطورة، فيما قامت طائراتهم بـ «48» غارة على الحاميات الإمامية بالجنوب، ولم يستثنِ القصف مدن شمالية، كـ «تعز، وقعطبة، والتربة، ويريم»، سقط بسببه أكثر من «300» شخص بين قتيل وجريح، وقد سميت تلك الحرب بـ «حرب الطائرات».

فرَّ عساكر الإمام بصورة مُخزية، ليعلن سيدهم الانسحاب التام، بعد ستة أسابيع من الحرب الغير مُعلنة «14 يوليو 1928»، أصيب العشرات منهم بالجنون، كونهم لم يألفوا أزيز الطائرات من قبل، ولا انفجارات «قنابرها» ـ حد تسميتهم ـ وحين تواردت الأخبار إلى صنعاء، بأن الأسطول الانجليزي رابض في سواحل الحديدة، استعداداً لاحتلال اليمن، سارع الإمام بنقل معظم أمواله إلى شمال الشمال.

كان بعض السلاطين قد تعاطوا إيجاباً مع مبادرات الإمام يحيى، إلا أنهم بعد أن رأوا سوء أعماله، ارتموا في أحضان الإنجليز، وصاروا أكثر عمالة لهم، وأكثر رفضاُ للإمام، ولتدخلاته، عقدوا في العام التالي مؤتمرا كبيراً، وفيه أشهروا توجههم الجديد.
تبعاً لذلك فتح الانجليز صفحة جديدة مع الإمام، الذي انسحب سلماً من «العواذل، وبيحان»، اللتان بقيتا تحت سيطرته، وقعوا معه «معاهدة صنعاء»، اعترفوا له فيها باستقلال مملكته، ونجحوا بانتزاع اعتراف منه بالحدود الشطرية القائمة «11فبراير1934»، لتدخل قواته نهاية الشهر التالي في مواجهات مسلحة مع «آل سعود»، تعرض لهزيمة ماحقة، ضعفت بعد ذلك قوته، وتبددت هيبته، وأخذ الأحرار اليمنيون يفكرون جدياً في كيفية التخلص منه، مُعلنين بدأ العد التنازلي لطي صفحته.

ما سبق، لمحات موجزة، لتاريخ مُشبع بالمُقاومة، أشار إليها معظم المؤرخين إشارة عابرة، وحده مؤرخ ردفان تعمق في تفاصيلها أكثر، عبر كتابه «من حقيبة الدهر»، ومن هنا تبرز أهمية إنعاش الذاكرة الشعبية، وعلى المُهتمين تولي تلك المهمة، كلٌ في محيطه، تماماً كما فعل «ذيبان».
--------------------------------------------
المقال كتب خاص لـ موقع الحرف28


Create Account



Log In Your Account