حصار تعز وأحلامنا المؤجلة
الأحد 08 نوفمبر ,2026 الساعة: 03:44 مساءً




كانت تعز قد بدأت تسترد أنفاسها، وتخطو بثبات نحو الحياة. استعادت بعض ملامحها مدينةً للعلم والثقافة، وبدأت تفتح نوافذ الأمل أمام أبنائها. وكنت قد غادرت، أنا الآخر، عزلتي الاختيارية وخلوتي بين الكتب والمراجع، عائدًا إلى مقاعد الدراسة في كلية الآداب، قسم التاريخ والعلوم السياسية، لاستكمال البكالوريوس بنظام المقاصة، والالتحاق بالتمهيدي للماجستير.

كان عامًا دراسيًا ثريًا بالمعرفة والتجارب والصداقات. تعرفت خلاله على زملاء أعزاء، جمعتنا قاعات المحاضرات، وتباينت آراؤنا، وتراوح نقاشنا بين الهدوء والاحتدام، واتفقنا واختلفنا في قضايا شتى، لكننا لم نختلف يومًا على حب اليمن وضرورة مواجهة كارثة الإمامة الجديدة، واستعادة الدولة والجمهورية من براثن الكهنوت.

في كلية الآداب رأيت تعز الحقيقية؛ تعز العلم والثقافة والوعي، لا تلك الصورة المشوهة التي يرسمها بعض أبنائها في ضجيج المنصات ومهاتراتها. رأيت طلابًا يتسابقون إلى المعرفة، ويقبلون على دروسهم بنشاط وجدية، وأساتذة يواصلون رسالتهم رغم شح الإمكانات وتراكم الأوجاع. هناك أدركت سر ما تحققه جامعة تعز من تقدم أكاديمي، وما أحرزته من مكانة متقدمة محليًا وعربيًا؛ فتعز، مهما أثقلتها الحروب، تظل مدينة تنتج المعرفة، وتقاوم بالوعي، وتراهن على المستقبل.

كان مقررًا أن يجتمع مجلس قسم التاريخ والعلوم السياسية مطلع أكتوبر المنصرم، لمناقشة خطتي البحثية وإقرار عنوان رسالتي، تمهيدًا لجلسة السمينار، ثم الشروع في دراسة التطورات العسكرية للصراع الجمهوري الإمامي خلال الأشهر السبعة الأولى التي أعقبت قيام الثورة السبتمبرية المباركة. سبعة أشهر حافلة بالتحولات العسكرية والسياسية والاجتماعية، لا تزال كثير من وقائعها وتفاصيلها حبيسة الإهمال والنسيان، وتنتظر قراءة علمية تنصف أحداثها، وتكشف ما غاب من حقائقها، بعيدًا عن الروايات المنتقاة والأحكام المسبقة.

لكن الإمامة الجديدة، ممثلة بمليشيا الحوثي، كان لها رأي آخر. عادت لتقطع الطريق على الحياة، وتجهض ما بدأ يتشكل من آمال، وتفرض على المدينة حصارًا خانقًا أعادها إلى دائرة المعاناة.

في 17 فبراير 2026م، كان آخر يوم دراسي لنا. اجتمعنا، وتبادلنا الأحاديث، والتقطنا صورًا تذكارية لم نكن نتصور أنها ستغدو شاهدًا على نهاية مرحلة جميلة من حياتنا الجامعية. افترقنا بعدها، يحمل كل منا خطته البحثية وأحلامه الأكاديمية، استعدادًا لمواصلة طريق العلم والمعرفة. لكن الحصار باغتنا، فتبددت المواعيد، وتعطلت الخطط، وأُغلقت أبواب كانت مشرعة على مستقبل واعد.

داهمتنا الجائحة الحوثية، وأوقفت مسارات حياتنا. اضطر أغلب زملائنا إلى ترك أقلامهم وحمل بنادقهم، والتوجه إلى ميادين المواجهة دفاعًا عن الجمهورية والأرض والكرامة، وعن حق تعز في الحياة.

ومع ذلك، لن يكون الحصار قدر تعز، ولن تتحول محاولات إخضاعها إلى حقيقة دائمة. ستنقشع هذه الجائحة إلى الأبد، وستنتصر الجمهورية، ويستعيد الوطن أمنه وسلامه.

تحية لزملائي الأعزاء الذين جمعتني بهم مقاعد الدراسة، وفرّق الحصار بيننا، دون أن يفرقنا في المبادئ. وتحية لكل طالب علم اضطرته الحرب إلى تأجيل حلمه الأكاديمي، وحمل السلاح دفاعًا عن أرضه وجمهوريته وكرامته. وتحية لكل من يصمد في موقعه، ويتمسك بحقه في الحياة.

- الصورة المرفقة توثق لحظة جمعتني بزملاء الدراسة في آخر يوم دراسي لنا، بعد عام حافل بالمعرفة والذكريات الجميلة.


Create Account



Log In Your Account