المطارح وعقيدة القتال: عندما تغدو الموازاة قتلاً للدولة
الأربعاء 09 سبتمبر ,2026 الساعة: 04:04 مساءً

المطارح الفرنسية وديجول

كانت هناك حربُ استنزافٍ موازيةٌ لتلك التي في المتارس، لكنها كانت تُخاض بقوةٍ أخرى؛ قوةٌ لها نصيبها من القعدان والبقر والغنم والقات.

 حتى كاد المجهود الحربي هناك أن يُقاس بما استُهلك من الزاد، لا بما أُنجز في الميدان. وكان في ذلك كله رصيدٌ يُرجى أن يتحول، عند ساعة الانتصار، إلى استحقاقٍ للصعود إلى السلطة بحجة المجهود والدعم العسكري.

ديجول وسياسة المطارح

لو أن ديغول، رضى بتشكيلُ مقاومةٍ وإقامةُ مطارحَ داخليةٍ في فرنسا، تكون رديفةً للجيش بحجة الضرورة، لفعلها؛ لربما ظلت فرنسا إلى يومنا هذا تعيش على منطق التقاسم: نحن ضحّينا، ونحن قدّمنا قوافلَ من الشهداء، ولذلك لنا نصيبٌ من الدولة.

لكنه رفض أن تتحول الضرورة إلى قاعدة، وأن يصبح السلاح موزعًا بين تشكيلات متوازية خارج المؤسسة العسكرية. كان يدرك أن الدولة لا تستعيد هيبتها بتعدد البنادق، وإنما بتوحيد القرار والسلاح والمرجعية.

وهذه ليست مسألة عسكرية فحسب؛ إنها مسألة سيادة دولة ومستقبل وطن.

لا ينبغي أن يتحول أي مكوّن غير رسمي إلى مؤسسة عسكرية موازية، ولا إلى مركز قرار مستقل عن الدولة؛ لأن ذلك سيخلق واقعًا يصعب تفكيكه.

وما يبدأ رديفًا للمؤسسة الرسمية قد يصبح مع الوقت منافسًا لها، ثم تتعدد معه مراكز النفوذ، وتتداخل الصلاحيات، ويصبح بناء الدولة أكثر كلفة وتعقيدًا.

ومن أراد أن يحمل السلاح دفاعًا عن وطنه، فمكان سلاحه الطبيعي هو الجيش، وقراره ضمن القيادة الرسمية، ومسؤوليته أمام القانون.

لسنا بحاجة إلى جيشٍ داخل الجيش، ولا إلى سلاحٍ فوق السلاح الرسمي، ولا إلى استحقاقات جديدة تُضاف إلى دولة أنهكتها الحرب.

يكفي الدولة ما عليها من استحقاقات.

فالدولة لا تُبنى بتوزيع القوة، بل بتوحيدها تحت سلطة القانون؛ ولا تُستعاد هيبتها بكثرة التشكيلات، بل حين يعرف الجميع أن للسلاح عنوانًا واحدًا، وللقرار السيادي مرجعية واحدة، وللدولة رايةً لا تتعدد.


Create Account



Log In Your Account