استئناف تصدير النفط اليمني... هل التصدير هو الأولوية فعلاً؟
الثلاثاء 01 سبتمبر ,2026 الساعة: 06:05 مساءً


يبدو قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي استئناف تصدير النفط اليمني، للوهلة الأولى، خطوةً ضرورية لإنقاذ مالية الحكومة وتوفير مورد من النقد الأجنبي بعد توقف الصادرات منذ أواخر عام 2022. غير أن النظر إلى القرار بمعزل عن هيكل الإنفاق والاحتياجات المحلية قد يقود إلى تكرار السياسة نفسها التي جعلت اليمن يصدّر النفط الخام، ثم ينفق عائداته وأكثر منها لاستيراد المشتقات النفطية!

لا خلاف على أهمية إعادة تشغيل الحقول واستعادة الإنتاج، فتوقف الصادرات عقب استهداف الحوثيين موانئ النفط في حضرموت وشبوة حرم الحكومة من أهم مواردها، وعمّق عجز الموازنة، وأضعف قدرة البنك المركزي على تمويل الواردات والتدخل في سوق الصرف. لكن السؤال الأهم ليس: هل تستطيع الحكومة تصدير النفط؟ بل: ما الاستخدام الأكثر جدوى اقتصادياً للكميات التي يمكن إنتاجها؟
قبل توقف الصادرات، كان إنتاج اليمن يدور في حدود 40 إلى 50 ألف برميل يومياً. وحتى إذا نجحت الحكومة في استعادة هذا المستوى وتصدير معظم الإنتاج، فإن الإيرادات المتوقعة لن تتجاوز، في أفضل السيناريوهات، ملياراً إلى مليار ونصف مليار دولار سنوياً، قبل خصم تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين وحصص الشركات والمحافظات المنتجة.

في المقابل، ينفق اليمن أكثر من ضعف هذا المبلغ سنويًا على استيراد الوقود والمشتقات النفطية. وهذا يعني أن الحكومة قد تصدّر النفط الخام لتحصل على العملة الصعبة، ثم تعيد إنفاق هذه العائدات كاملة، وتضيف إليها موارد أخرى، لاستيراد البنزين والديزل والمازوت والغاز. وبهذه المعادلة ستظل أزمة النقد الأجنبي قائمة، وسيبقى الضغط على سعر الصرف مستمرًا، ولن يؤدي استئناف التصدير وحده إلى إصلاح الوضع الاقتصادي.

الأولوية، إذن، ينبغي أن تكون لتغطية الاحتياجات المحلية من الإنتاج الوطني قبل التفكير في تصدير الفائض. ويشمل ذلك توجيه الغازالمسال المنتج محلياً إلى محطات توليد الكهرباء، وتوجيه النفط الخام إلى المصافي لإنتاج المشتقات التي يستوردها اليمن حالياً بالعملة الصعبة.

غير أن تحقيق ذلك يتطلب إعادة تشغيل مصافي عدن، وليس الاكتفاء بإبقائها منشأة معطلة بينما تستمر البلاد في دفع مليارات الدولارات مقابل الوقود المستورد. كما ينبغي إنشاء أو تطوير قدرات تكرير إضافية في حضرموت وشبوة ورفع قدرة مصافي مأرب، بحكم قربها من مناطق الإنتاج، ضمن خطة مدروسة تأخذ في الاعتبار نوعية الخام والمنتجات المطلوبة وجدوى الاستثمار.

هذه السياسة ستكون أكثر نفعاً للاقتصاد من تصدير الخام وحده. فهي تخفض فاتورة الاستيراد، وتقلل الطلب على الدولار، وتوفر المشتقات للسوق المحلية، وتدعم تشغيل الكهرباء، وتخلق نشاطاً اقتصادياً وفرص عمل داخل البلاد. كما تقلل المخاطر المرتبطة بإرسال ناقلات النفط إلى موانئ سبق أن استهدفها الحوثيون، وما يترتب على ذلك من ارتفاع تكاليف التأمين واحتمال توقف التصدير مجدداً عند أول تصعيد عسكري.

وسينعكس كل ذلك على مستوى التضخم وقيمة الريال اليمني أمام العملات الاجنبية
ولا يعني هذا إلغاء التصدير كلياً، بل ترتيب الأولويات بطريقة اقتصادية صحيحة: تغطية الاستهلاك المحلي أولاً، ثم تصدير الفائض. فالقيمة الاقتصادية للبرميل لا تُقاس فقط بالسعر الذي يباع به في الخارج، وإنما بما يوفره من واردات، وما ينتجه من كهرباء، وما يخففه من ضغط على ميزان المدفوعات وسوق الصرف.

إلى جانب ذلك، لا يمكن معالجة الأزمة من جانب الإيرادات وحده. الحكومة مطالبة قبل البحث عن موارد جديدة بتقليص نفقاتها ووقف تسرب العملة الصعبة. فلا معنى للحصول على مليار دولار من صادرات النفط بينما تستمر نفقات غير ضرورية، وتُدفع رواتب ومخصصات بالدولار لمسؤولين وموظفين في الخارج، وتُموّل سفارات ومؤسسات لا تقدم عائدًا فعليًا للبلاد، بينما تتعطل الكهرباء وتتأخر الرواتب في الداخل.

المشكلة اليمنية ليست فقط نقص الموارد، بل سوء إدارتها وتشتتها خارج الموازنة العامة. ولذلك، فإن أي عائدات ناتجة من تصدير النفط يجب أن تُورد مباشرة إلى البنك المركزي، وأن تُعلن الكميات المصدّرة وأسعار البيع وتكاليف الإنتاج والتأمين وحصص المحافظات. ومن دون هذه الشفافية، قد يتحول استئناف التصدير إلى مورد جديد للتقاسم بين القوى النافذة، بدلاً من أن يكون أداة لاستقرار الاقتصاد.

كما أن البنك المركزي لا يستطيع معالجة أزمة العملة بمفرده. هو بنك الحكومة، وليس كياناً منفصلاً عنها. استقرار الريال يحتاج إلى قرار مالي ونقدي واحد: جميع الإيرادات العامة تُورد إلى البنك، وجميع النفقات تُقنّن وتُنفّذ عبر الموازنة. أما ضخ العملات الأجنبية أو إصدار أدوات دين مع استمرار تسرب الإيرادات وتضخم الإنفاق، فلن يكون سوى تأجيل للمشكلة.

قرار إعادة الإنتاج ضروري، لكنه يحتاج إلى تصحيح في الهدف. المطلوب ليس العودة إلى تصدير النفط بالطريقة القديمة، وإنما بناء سياسة طاقة وطنية تجعل الإنتاج المحلي وسيلة لتقليص الاستيراد، وتشغيل الكهرباء، وحماية العملة، ثم تصدير ما يزيد عن حاجة السوق.

نجاح القرار لن يُقاس بعدد الناقلات التي تغادر الموانئ، بل بمقدار ما ينخفض من فاتورة استيراد الوقود، وعدد ساعات الكهرباء التي تُضاف، وحجم العملة الصعبة التي تبقى داخل الاقتصاد. أما تصدير الخام ثم استيراد المشتقات بأكثر من ضعفي عائداته، فلن يحل الأزمة؛ بل سيعيد إنتاجها بالطريقة نفسها.


Create Account



Log In Your Account