الجمعة 05 يونيو ,2026 الساعة: 02:52 مساءً
في خضم هذا الصمت العربي والدولي المخزي، الذي لم يعد مجرد "قلق" جامد بل تحوّل إلى تواطؤ صريح مع استمرار الكارثة؛ وبين ركام المدن اليمنية التي لم تعد تتهالك فحسب، بل باتت تشهد فصولاً متجددة من سحق ممنهج للكرامة الإنسانية على يد قوى تتقاسم السلطة دون أن تتقاسم المسؤولية، ينبثق سؤال أشد مرارة ويزداد ثقلاً مع كل انهيار جديد للعملة، وكل صفعة تطال جوعى الأطفال وأمهاتهم اللواتي لم يعد لديهن حتى الدموع لتكابد بها مرارة المشهد: أين الضمير؟
اليمن، ذاك البلد الذي علّم البشرية الصبر والحكمة، يُساق اليوم بخطى أسرع من أي وقت مضى نحو فناء محقق على مهل. ليس لذنب اقترفه شعبه سوى تمسكه ببقايا أمل مستحيل، بل لأن فرقاء محليين تمسكوا بسلطة منهوبة، وقوى إقليمية جعلت من اليمن ساحة لتصفية حساباتها، ولوبيات دولية وجدت في استمرار الحرب تجارة رابحة. كل هؤلاء اتفقوا على شيء واحد: أن يظل المواطن اليمني أسير تجاذباتهم، رهينة مصالحهم الضيقة، خارج دائرة المصلحة الوطنية العليا.
لم يعد صراع الأمس من أجل "تحسين المعيشة" هو المطروح اليوم؛ بل تحوّل الأمر إلى صراع يومي بدائي من أجل البقاء نفسه. في كل بيت يمني، وفي كل مدينة وقرية، تتجلى ملامح كارثة تضاعفت حدتها مع المتغيرات الأخيرة. فبعد انهيار العملة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، وتحول الريال إلى أداة عذاب إضافية بفعل السوق السوداء وأباطرة الصرافة، أصبح المواطن اليمني عاجزاً عن شراء أبسط مقومات الحياة: كيس دقيق، علبة دواء، أو حتى ليتر بنزين للوصول إلى عمل أو مستشفى.
تقف اليوم في اليمن مشاهد لا تحتمل: أمهات يطحنّ الصبر غداءً وعشاءً لأطفال أنهكهم سوء التغذية الحاد؛ آباء يقفون بعجز قاتل أمام أبواب الصيدليات بعد أن عجزت العملة المنهارة عن شراء شريط دواء لمرض مزمن؛ موظفون بلا رواتب لليوم الألف، إذ لم يتقاض مئات الآلاف من الموظفين العموميين رواتبهم منذ سنوات، بينما يصر المتصارعون على دفع المرتبات وفق معايير مناطقية وسياسية طائفية، وكأن المواطن اليمني "يتوقف عن الأكل" إذا كان في المنطقة الخطأ؛ ونازحون تجاوز عددهم 4.5 ملايين يعيشون في خيام وأكواخ من الصفيح تحت وطأة الحر والمرض والجوع، وقد نسيَهم الجميع. وغابت الدولة كلياً: لا كهرباء تنير العتمة، ولا مياه نظيفة تقي الأطفال الأوبئة المتجددة، ولا تعليم يبنى عليه الغد، ولا صحة تعالج الجرحى والمرضى. تحولت أبسط مقومات الحياة إلى رفاهية لا يطالها إلا من يملك حساباً بنكياً بالعملة الصعبة.
في الأشهر الأخيرة، شهدت الساحة اليمنية تطورات خطيرة أكدت أن القوى المتصارعة محلياً – أياً كانت تسمياتها وألوانها – ليست ضمن أولوياتها المصلحة العامة العليا للشعب ولا للوطن. فكلما اشتعل صراع جديد على منصب أو منطقة أو نفوذ، دفع اليمني البسيط الثمن من جيبه ودمه، فيما بدت الأطراف الإقليمية والدولية وكأنها تتنافس في ازدواجية المعايير: أوكرانيا تحظى بتضامن فوري وغربال عقوبات ومساعدات، بينما اليمن يُترك وحيداً كفيلم وثائقي قديم على رف النسيان. المجتمع الدولي يظل "قلقاً" و"يدعو إلى خفض التصعيد"، لكن القلق لا يملأ بطون الجائعين، والتصعيد الحقيقي هو تصعيد الألم والصمت.
إلى هذه الدرجة هانت عليكم اليمن؟! أين ضميركم أيها المتصارعون؟ أين أنتم أيها العالم؟
أين أنتم من هذا كله؟ أين أنتم من أنين شعب يختنق صمتاً كل يوم؟ من صرخات الأطفال الذين غادرت الألوان وجوههم وتحولت عيونهم إلى بحيرات صامتة من الألم؟ من دموع الأمهات التي جفت من كثرة البكاء، وصرخات الآباء التي استحالت عويلاً لا يسمعه أحد؟ أيها القادة العرب، أين نخوتكم؟ اليمن ليست بعيدة عنكم، لكن قلوبكم أبعد مما تتصورون. أيها العالم، أين إنسانيتكم المزعومة؟ اليمن يتضوّر جوعاً، يمرض، يموت أمام ناظريك، وأنت تتصنع الاهتمام بأزمة هنا وهناك وتتجاهل كارثة متكاملة الأركان. أيها المتصارعون على السلطة، أنتم الذين ترتدون بدلات السياسة الأنيقة وتتحدثون باسم الشعب، وأنتم من تسببتم في مأساته ومازلتم تتاجرون بدمائه.. الحساب آتٍ لا محالة.
قد يرحم التاريخ أحياناً بتبديل السطور، وقد تخبو أصوات الظالمين وتتلاشى أسماؤهم في ذاكرة النسيان. ولكن عدالة السماء لا تغفل ولا ترحم. الحساب عند الله عسير، يوم تسود وجوه وتبيض وجوه، يوم يقف أمراء الحرب وسماسرة السياسة وعبيد المناصب مجردين من ألقابهم ومناصبهم وحساباتهم البنكية المتضخمة من قوت الجياع، ويسألون أمام جبار السموات والأرض عن كل دم أريق ظلماً، وكل بطن جاعت عمداً، وكل طفل مات قبل أن يعيش، وكل دموع قهر انسكبت في ظلام بيوت اليمنيين، وعن مستقبل جيل كامل سُرق منه حتى الحق في الحلم.
اليمن اليوم لا تحتاج إلى مؤتمرات مانحين خاوية تسد جيوب الفاسدين قبل بطون الجائعين، ولا إلى بيانات شفقة ممزوجة بالنفاق ولا تليها أفعال، ولا إلى وعود براقة تتبخر عند أول مطب. اليمن تحتاج وبشكل عاجل إلى: وقف فوري وجاد للعبث الإنساني والاقتصادي، ووقف للحرب وللتجاذبات السياسية، ووقف لاستغلال المواطن كوقود للصراعات. تحتاج إلى إنقاذ العملة والاقتصاد قبل أن تطول الكارثة الكبرى التي لن يسلم منها أحد، بخطوات حازمة تضع حداً لتلاعبات السماسرة وأباطرة الصرافة. وتحتاج إلى سلام حقيقي يصنعه شرفاء الداخل لا أجندات الخارج التي تقتات على بقاء الجرح نازفاً؛ سلام يستند إلى المصلحة الوطنية العليا لا إلى مصالح الفرقاء الضيقة.
إن لم تكونوا على قدر المسؤولية – ونحن نعرف أن كثيراً منكم ليس كذلك – فارحلوا. ارفعوا أيديكم الثقيلة عن كاهل هذا الشعب المكلوم. اتركوا لليمن أن يتنفس. اتركوا لأرض الحكمة والسبأيين أن تداوي جراحها بعيداً عن تجار السياسة وسماسرة الدم وعبيد المناصب.
ومع كل هذا الألم الذي لا يحتمل، ومع كل هذا الخذلان الذي يغلف المشهد، نقولها بملء الفم وبصوت يرتجف لكنه مازال ممسكاً بجمر الكرامة: اليمن ليست عقاراً للبيع، ولا لعبة في أيدي المتصارعين في الداخل والخارج، ولا ساحة لتجارب الفاشلين. اليمن لأهلها الصابرين، أولئك القابضين على الجمر والذين يمسكون ببقايا حلم رغم كل شيء. اليمنيون ليسوا مجرد ضحايا صامتين، بل هم شعب استثنائي أثبت أن إيمانه بالعدل أقوى من أي سلاح، وأكثر بقاءً من أي مؤامرة. لن يموت هذا الشعب، لأنه يعرف أن الحياة لا تستحق أن تُعاش دون كرامة، وأن الوطن يستحق التضحية. سيأتي يوم – لا محالة – تشرق فيه شمس العدل على هذا البلد، وتغسل أرواح اليمنيين من غبار الخذلان، ويحاسب فيها كل من كان سبباً في مأساتهم. وإلى ذلك اليوم، سنبقى نصرخ، نكتب، نناضل. لا لشيء، إلا لأننا نؤمن بأن الظلم مهما طال فلابد أن ينتهي، وأن الحق مهما تأخر فلابد أن ينتصر.
اليمن لأهلها.. والنهاية للظالمين.