تعز: أيقونة النضال التي يُكبلها التآمر وتفتدي الوطن بالصمود ..
السبت 17 أكتوبر ,2026 الساعة: 02:30 مساءً

ومضات من الذاكرة.. حين كان اليمن جسداً واحداً. حين تفتح الذاكرة الوطنية صفحاتها، وتصدح وسائل الإعلام والمنصات المختلفة بذكرى الثورات اليمنية الخالدة "سبتمبر وأكتوبر"، يبرز ذلك التلاحم الوطني العظيم الذي صنعته أجيال اليمن الطبيعي. لم يكن النضال ضد الإمامة والكهنوت في الشمال، أو ضد الاستعمار وسلطانه في الجنوب، معزولاً أو مجزأً، بل كان هدفاً ومصيراً واحداً يتقاسمه اليمنيون من أقصى الوطن إلى أقصاه.
كانت المدن اليمنية تتفاعل مع بعضها كأعضاء الجسد الواحد، الشمال يشد أزر الجنوب، والجنوب يمد الشمال بأسباب الصمود، فكانت كل مدينة تمثل انطلاقة وملجأ وملاذاً للأخرى.
تعز: المنارة التي أضاءت الدرب للجميع
وفي قلب هذه الملحمة الوطنية، تبرز مدينة تعز بخصوصيتها الاستثنائية ودورها التاريخي الفريد. بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الحضاري والثقافي، ظلت تعز ولا زالت تمثل منارة للعلم، ومنبعاً للسلم، ورافعة للتغيير والحرية.
لم تكن تعز مجرد مدينة جغرافية، بل كانت قاعدة صلبة وملاذاً آمناً لكل أحرار اليمن شمالاً وجنوباً. منها انطلقت شرارات التحرر، وإليها لجأ المناضلون في أحلك الظروف، ومن ثناياها رُفدت اليمن شمالها وجنوبها بكل ما هو جميل ومشرق. كانت الحاضنة التي لا تضيق بأحد، والنافذة التي تنفس منها المشروع الوطني الجامع.
المحنة الراهنة: صمود أسطوري وتخاذل مفجع
اليوم، تقف هذه المدينة العظيمة بمفردها في مواجهة عاصفة شعواء، تعيش مأساة حقيقية بينما يكتفي العالم والداخل بالحياد والفرجة الباردة.
تلك المدينة التي غذت اليمن بأكمله بالرجال والوعي والأفكار، تواجه اليوم حصاراً ومصيراً مأساوياً بصمود أسطوري يثير الدهشة والإكبار، ولكنه صمود يقابله وللأسف الشديد  تخاذل وطني وإقليمي غير مسبوق.
"أين هبة اليمنيين التي كانت تشتعل كالبرق حين تتعرض أي مدينة لخطر؟ أين ذلك الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟"
خيوط المأساة: التآمر، والتخادم، وإدارة الصراع
ما الذي حدث لليمنيين حتى يتفكك هذا العقد الفريد؟ إن قراءة المشهد تؤكد أن تعز لم تسقط، بل أُسقطت في دوامة صراعات تقاطعت فيها مصالح عدة:
التدخلات الإقليمية ونشر الفتنة: لعب وجود بعض القوى الإقليمية وتدخلها السلبي دوراً مؤلماً في تغذية النعرات المناطقية، ونشر ثقافة الكراهية، ودعم المخططات الانفصالية لتفكيك النسيج الاجتماعي والوطني الجامع.
لعبة التوازنات والتخادم مع المليشيات: لم يقف الدور الإقليمي والدولي عند حدود التغافل، بل تعداه إلى ممارسة سياسة إدارة الصراع والتخادم الخفي. أصبحت التحركات والنجدة لا تأتي لإغاثة المظلومين أو فك الحصار عن تعز، بل تُستدعى وتُزرع الهدن والوساطات فقط عندما تقع المليشيات في مأزق أو تشارف على الانهيار؛ حينها فقط تتحرك الآلات الدبلوماسية لإنقاذها وتجميد الجبهات، لتبقى تعز في حالة استنزاف دائم.
تقاطع المصالح الدولية والعقدة الحضارية: تقاطعت مصالح كبرى جعلت من اليمن ساحة لتصفية الحسابات. ويتساءل البعض بحرقة: هل هناك شبه بين تعز وحلب؟ هل تدفع تعز ثمن كونها الكتلة البشرية والحضارية الأكبر المتمسكة بالدولة والجمهورية والسلم، مما جعلها هدفاً للتهميش والعقاب؟
وختاما: تعز لا تملك إلا الله وأهلها الأوفياء
إن تعز مدينة الحب والسلام والعطاء – لم يعد لها اليوم، بعد الله، إلا أهلها الأوفياء وصمودهم الأسطوري. ستظل هذه المدينة العريقة شاهدة على عظمة الأحرار وعلى خذلان المتخاذلين.
ومهما اشتدت عتمة الحصار، وتكالب أصحاب الأجندات، ستظل تعز الشعلة التي لا تنطفىء، والقلعة التي تتحطم عليها كل المخططات المشبوهة، فالتاريخ ينصف دائماً صناع النور والمضحين من أجل الأوطان.


Create Account



Log In Your Account