الأحد 10 مايو ,2026 الساعة: 08:54 صباحاً
لم تعد قضية محمد قحطان سؤالًا معلّقًا في سماء الحرب اليمنية، ولا جرحًا إنسانيًا يُستدعى عند الحاجة. لقد تحوّلت، بعد أحد عشر عامًا من الإخفاء القسري، إلى مرآة قاسية تعكس حقيقة السلطة التي تحكم صنعاء، وحقيقة العجز الذي يخيّم على الشرعية، وحقيقة الصمت الذي يبتلع المجتمع الدولي بلا خجل، إنها، في جوهرها، فضيحة سياسية وأخلاقية تكشف طبيعة الجماعة التي جعلت من الإخفاء القسري أداة حكم، ومن العبث بمصائر الناس وسيلة ابتزاز، ومن المراوغة بشأن حياة إنسان أو موته فصلًا إضافيًا في سجل الانحطاط الذي يرافق الحرب منذ اندلاعها.
قضية قحطان اليوم ليست ملفًا إنسانيًا، بل فضيحة سياسية مكتملة الأركان.
فضيحة تكشف أن جماعة الحوثي لا تخشى القانون، ولا تحترم الإنسان، ولا تتورّع عن تحويل حياة رجل إلى ورقة مساومة، ثم إلى رواية متناقضة، ثم إلى كذبة تُرمى في الهواء كلما ضاق الخناق.
وإذا كانت بعض القضايا تحتمل التأويل السياسي، فإن قضية قحطان لا تحتمل سوى توصيفها الحقيقي، جريمة إخفاء قسري مستمرة، فحين يُحرم المختطف من حقه في الحياة الظاهرة، وتُحرم أسرته من حقها في المعرفة، ويُترك مصيره معلّقًا بين النفي والتسريب والتضليل، فإننا لا نكون أمام نزاع على رواية، بل أمام انتهاك مكتمل الأركان. وما يزيد هذا الانتهاك فداحة أن الجهة المختطفة لا تتعامل مع الملف بمنطق الاعتراف أو التسليم، بل بمنطق المساومة الباردة، وكأن الحقيقة نفسها قابلة للتجزئة، وكأن الكرامة الإنسانية تصلح لأن تكون موضوعًا للمقايضة.
لكن ما ينبغي التوقف عنده هنا ليس وحشية الجماعة فحسب، بل أيضًا هشاشة المقاربة التي أدار بها الجميع هذا الملف طوال السنوات الماضية. فالقضية، رغم رمزيتها، لم تُرفع إلى مستوى الإلزام السياسي والقانوني الذي تستحقه. جرى التعامل معها في أحيان كثيرة بوصفها بندًا ضمن بنود التفاوض، لا باعتبارها اختبارًا لشرعية أي تفاوض أصلًا. وهنا يكمن الخلل الأخطر: حين يصبح كشف مصير الإنسان قابلاً للتأجيل، فإن المبدأ نفسه يكون قد تآكل قبل أن يُختبر.
إن الإخفاء القسري لا يقتل الضحية وحده، بل يواصل قتل الأسرة والمجتمع والضمير العام على مهل، فكل يوم يمر دون حقيقة واضحة هو يوم إضافي في العقوبة المفتوحة، وكل صمت دولي هو مساهمة غير مباشرة في ترسيخ منطق الإفلات من العقاب، ولهذا، فإن قضية محمد قحطان تتجاوز حدود الجدل اليمني الداخلي، لتصبح سؤالًا عن جدوى المنظومة الدولية نفسها: ما قيمة القرارات إن كانت لا تُنفذ؟ وما قيمة الإدانات إن كانت لا تُنتج مساءلة؟ وما معنى الحديث عن حقوق الإنسان إذا بقيت الحقيقة رهينة لدى من لا يعترف إلا بالقوة؟
لكن الزمن، في قضايا مثل هذه، لا يبرئ أحدًا، إنه فقط يكدّس الأدلة على الفشل الأخلاقي والسياسي، ومحمد قحطان، في هذا السياق، ليس مجرد اسم في قائمة المختفين، بل عنوان لمرحلة كاملة جرى فيها العبث بالإنسان اليمني حتى في أكثر حقوقه بداهة، الحق في أن يُعرف مصيره، والحق في أن تُقال الحقيقة كاملة، والحق في ألا تتحول حياته أو موته إلى مادة للابتزاز.
تكشف قضية قحطان خللًا أعمق من مجرد تعثر المفاوضات، فاستمرار إدراج اسمه في النقاشات دون حسم مصيره يدل على أن الملف تحوّل إلى ورقة ابتزاز، تُستخدم لإطالة التوتر وإبقاء الخصم في حالة استنفار دائم. وهذه ليست سمة عرضية، بل جزء من عقلية تفاوض ترى في الغموض وسيلة، وفي الألم رصيدًا، وفي التأجيل انتصارًا صغيرًا متكررً
إن قضية محمد قحطان لم تعد مجرد قضية مختطف سياسي، بل صارت اختبارًا لمعنى الشرعية الدولية، ولجدية الحديث عن حقوق الإنسان في اليمن، فإذا كان مجلس الأمن يصدر قرارات لا تُنفذ، وإذا كانت الأمم المتحدة ترضى بأن تكون ساعي بريد بين جلاد وضحية، وإذا كان العالم يشيح بوجهه عن جريمة إخفاء قسري مستمرة منذ أحد عشر عامًا، فما قيمة كل هذه المنظومة الحقوقية التي نتبجح بها؟
يصبح الخلل مضاعفًا: حين يُقبل بأن يبقى مصير محمد قحطان مادة قابلة للتأجيل، فإن المسار السياسي كله يفقد جزءًا من صدقيته، لأن السلام الذي يمر فوق جثة الحقيقة ليس سلامًا، بل هدنة مؤقتة تُجمَّل بلغة دبلوماسية. وما لم يُحسم هذا الملف على قاعدة الكشف والمساءلة، فكل ما عداه سيبقى دورانًا في الحلقة نفسها، مع أسماء مختلفة وبيانات أكثر.
أما المجتمع الدولي، فقد بدا في هذه القضية كمن يكتفي بتدوير القلق بدل مواجهته. بيانات هنا، مطالبات هناك، ثم عودة إلى الصمت المريح. لكن الجماعات التي تتغذى على الإفلات من العقاب لا تخشى كثيرًا من القلق اللفظي؛ ما تخشاه هو الكلفة السياسية الحقيقية. وحين تغيب هذه الكلفة، تستمر الجريمة باعتبارها خيارًا منخفض الثمن، بل ومضمون النتائج في كثير من الأحيان
لقد ظل الحوثيون طوال أحد عشر عامًا يرفضون الإفصاح عن مصير قحطان، ويمنعون أسرته من زيارته أو حتى معرفة ما إذا كان حيًا أم ميتًا. ثم، في كل جولة تفاوضية، يقحمون اسمه في قوائم المساومة، ويوهمون الوسطاء والحكومة بأنهم مستعدون للإفراج عنه، ليتراجعوا في اللحظة الأخيرة، أو يطرحوا شروطًا عبثية، إن هذا السلوك استراتيجية قذرة تقوم على إبقاء الملف مفتوحًا، وإبقاء الألم متجذرًا، واستخدام حياة رجل وأسرته كعملة تفاوض في سوق السياسة.
ليست القضية إذن في من قتل قحطان، فكل الطرق في صنعاء تؤدي إلى الأمن القومي الحوثي، ذلك المعتقل الذي تحول إلى مسلخ بشري تُعدم فيه الضمائر قبل الأجساد، المأساة هنا ليست في الموت، فالموت في اليمن صار أرخص من الخبز، المأساة في أن الجماعة اختارت أن تجعل من اللايقين سلاحًا، ومن الغموض أداة تعذيب، ومن الجثة المؤجلة ورقة رابحة في بازار التفاوض
ما يثير السخرية والغضب معًا هو إن تناقضات الحوثيين في هذه القضية لا تحتاج إلى محقق أممي لكشفها، بل تحتاج إلى أقل القليل من الذاكرة، فالجماعة نفسها هي التي قدمت دون قصد كل الأدلة التي تدحض روايتها الأخيرة، فالقيادي الحوثي عبد القادر هلال، الذي قُتل في أكتوبر 2016، كان الوسيط الذي ينقل الطعام والملابس من الأسرة إلى قحطان. فكيف استمر ذلك بعد عام من وفاته المزعومة؟ والمختطفون الذين أُفرج عنهم، وبينهم الفريق فيصل رجب، أكدوا جميعًا أنه كان حيًا حتى مطلع العقد الجاري، وقبل عامين فقط، أفرج الحوثيون عن ثلاثة عسكريين مشمولين بالقرار الأممي 2216، وتعهدوا بالإفراج عن قحطان في الجولة التالية، ثم عادوا في مفاوضات عمان 2024 ليعرضوا مبادلته بخمسين شخصًا، أحياءً أو جثثًا، ثم يأتون اليوم ويقولون إنه مات بقصف 2015، فهل كان هلال يطعم جثة؟
وهل كانت الأسرة تُرسل الملابس لرجل متوفى؟ إذن لماذا كانت كل هذه المسرحيات التفاوضية؟
لقد كانوا يفاوضون على رجل حيّ قبل أشهر، واليوم يخرجون بتصريح بارد، مات قبل تسع سنوات، أي نفاق هذا؟ وأي كذبة سمجة يُراد تمريرها على عقل اليمنيين؟ لكن الجماعة لا تُبالي، فالذاكرة لديها أداة تُشترى وتباع مثل كل شيء آخر في قاموسها السياسي.
لقد آن الأوان لأن يتحول ملف قحطان من قضية عالقة في أدراج المفاوضات إلى فضيحة مدوية في وجه كل من تواطأ مع استمراره، والمطلوب ليس مجرد تحقيق دولي رغم ضرورته، بل موقف سياسي واضح يضع الإفراج عن قحطان أو الكشف عن مصيره كشرط مسبق لأي حوار جاد مع الحوثيين، وأساس لأي تسوية سياسية قادمة، فمن لا يستطيع حماية رجل واحد من الإخفاء والابتزاز، لا يمكنه أن يزعم أنه يبني سلامًا.