لغز التخادم في اليمن: بين فزاعة الإرهاب وحروب الموانئ"
الأحد 03 مايو ,2026 الساعة: 08:29 صباحاً

اليمن اليوم ليس ساحة صراع ثنائية؛ بل لوحة معقدة تتداخل فيها مصالح محلية وإقليمية، وتُستخدم أدوات غير تقليدية من اغتيالات وصفقات أمنية إلى تحالفات مؤقتة. هذا المقال يربط بين أحداث مفصلية خلال السنوات الماضية ليفتح سؤالًا واحدًا: من المستفيد فعلاً من هذا التشتت في المشهد اليمني؟

كثيرة هي الوجوه التي تُدار بها الصراعات في اليمن، وكثيرة هي الأقنعة التي تتساقط عند تفحّص التفاصيل. المشهد لا يُختزل في معركة ثنائية بين "الشرعية" و"الانقلاب"، بل لعله أصبح أكثر تعقيدًا بفعل الأدوار المتشابكة التي تؤديها أطراف يفترض أنها تنتمي لمعسكرٍ واحد، وترفع شعارًا واحدًا. والمتتبع لسلسلة الأحداث التي تربط فاعلين مثل (الإمارات – الانتقالي – الحوثي – تنظيم القاعدة) يجد نفسه أمام أحجية مثيرة: هل نحن أمام "تخادم" منظم، أم أنها مصالح تلتقي وتتقاطع وفق تكتيك الوقت والظرف؟

في 24 أبريل 2016، أعلنت الإمارات تحرير المكلا من 'القاعدة' بضربات جوية مكثفة، لكن الغموض لفّ مصير عناصر التنظيم الذين اختفوا دون توثيق لخسائر بشرية حقيقية؛ ما أثار تساؤلات مشروعة: هل كانت هزيمة عسكرية فعلاً، أم انسحاباً تم بموجب ترتيبات غير معلنة؟"

"لم يعد 'الإرهاب' في اليمن مجرد عدو عابر، بل تحول إلى ورقة ضغط تُوظف بدقة في 'جدول مباريات' النفوذ؛ ففي الوقت الذي كشفت فيه دراسة لـ 'مركز صنعاء' أن 70% من عناصر القاعدة أُطلق سراحهم بصفقات تبادل مع الحوثيين، تزامن ذلك مع فرار غامض لعناصر من التنظيم من سجن سيئون المركزي في أبريل 2022. هذا 'التخادم' يتجاوز حدود الصدفة ليؤكد نظرية الترابط بين أطراف متباينة (الإمارات، الانتقالي، والحوثي) تجتمع مصالحها عند نقطة واحدة: استهداف قوات الشرعية وزعزعة استقرار مناطقها. والمثير للريبة حقاً، هو جغرافيا عمليات التنظيم؛ إذ لم يسجل التاريخ مواجهة حقيقية له ضد الحوثيين في جبهاتهم الأساسية منذ 2015، بينما تركزت كل نيرانه على أبين وشبوة وحضرموت، مما يعزز فرضية استخدامه كأداة لإضعاف الحكومة المعترف بها دولياً."

تُقدم المنطقة العسكرية الأولى في حضرموت نموذجاً صارخاً لازدواجية المعايير؛ فبينما تتعرض لحملات تخوين واتهامات ممنهجة من أطراف مدعومة إماراتيًا، تظل هي الهدف المفضل للهجمات الإرهابية التي حصدت أرواح جنودها وضباطها. هذا التناقض الصارخ يفتح الباب للتساؤل: من المستفيد من إضعاف هذه القوة التي تمثل حائط الصد الأخير للشرعية في الوادي؟
عدن.. المرتزقة كأداة لإعادة هندسة المشهد
منذ عام 2016، تحولت عدن إلى ساحة للتصفيات الجسدية التي استهدفت الكوادر الإصلاحية والسلفية والتربوية. ولم يعد الأمر مجرد تكهنات، فقد كشف تحقيق موقع "بازفيد نيوز" (2018) عن استئجار الإمارات فريقاً من المرتزقة الأمريكيين لتنفيذ عمليات اغتيال ممنهجة بدأت في ديسمبر 2015.
إن استمرار هذه الآلة، والتي كان آخر ضحاياها أمس السبت (25 أبريل 2026) باغتيال الدكتور عبدالرحمن الشاعر (مدير مدارس النورس الأهلية)، يثبت أن ملف الاغتيالات ليس إلا أداة لإفراغ العاصمة المؤقتة من قواها الوطنية وتجريف العمل السياسي. وصمت الجهات المتهمة أمام هذه الحقائق الدولية يضع "المجهول" في دائرة الاتهام المباشر.
لغز القاعدة.. صمت جبهات الحوثي واشتعال مناطق الشرعية. 

من المثير للريبة أن تنظيم القاعدة، الذي يزعم عداءه للجميع، لم يخض معركة واحدة حقيقية ضد ميليشيا الحوثي في جبهاتها الأساسية منذ 2015، بينما تتركز نيرانه حصرياً على قوات الحكومة الشرعية في أبين وشبوة وحضرموت. لو كان التنظيم خطراً "عالمياً" كما يُروج، فلماذا اختص خصوم الحوثي والإمارات دون غيرهم؟ هذا الانتقاء الجغرافي يؤكد فرضية "توظيف" التنظيم كورقة ضغط لزعزعة مناطق الشرعية واستنزاف قواها.




ومع صدور القرار السيادي لمجلس القيادة الرئاسي بإنهاء دور الإمارات في اليمن، بات من المتوقع أن تلجأ أبوظبي إلى تصعيدٍ مضاد عبر أدواتها التقليدية؛ حيث يبدو استحضار 'خطاب الإرهاب' والترويج لتحركات القاعدة في مأرب تمهيداً استخباراتياً لموجة اغتيالات جديدة تستهدف قوى الشرعية. إن محاولة ربط حزب 'الإصلاح' بهذه التنظيمات ليست سوى استراتيجية لشيطنة الخصوم، رغم أن الحزب يدفع الضريبة الأكبر كهدف دائم لنيران القاعدة والحوثيين معاً، سواء في الجنوب أو في مناطق سيطرة الانقلاب."

لماذا كل هذا الغضب الإماراتي من الإصلاح تحديدًا؟ الأرجح أن أبوظبي لا تخشى "الإرهاب" في اليمن قدر خشيتها من نموذج سياسي يشارك في الحكم دون إذنها، ويعرقل مشاريعها الاقتصادية كما سنرى.

ولم تكن الاغتيالات التي طالت أعمدة الجيش الوطني مجرد حوادث عادية، بل كشفت صحيفة «الوطن» السعودية (فبراير 2026) عن تنسيقٍ صادم بين الإمارات وميليشيا الحوثي لتصفية القيادات الموالية للشرعية، فاغتيال اللواء 'ثابت جواس' في عدن لم يكن إلا (قرباناً سياسياً) قدمته أبوظبي لإرضاء الحوثيين وتصفية حسابات 'مران' التاريخية، بينما يبرز استشهاد اللواء 'عبدالرب الشدادي' في مأرب كنموذج لـ (التنسيق العكسي)؛ حيث تولى الحوثي مهمة التخلص من قائد عسكري وازن، ليقدم خدمة مجانية لأبوظبي بإزاحة حجر عثرة في محافظة تُعد المعقل الحصين للجمهورية ولحزب الإصلاح."

موانئ اليمن وطريق الحرير.. حيث تلتقي السياسة بالاقتصاد
لا يمكن عزل الصراع العسكري عن بعده الاستراتيجي والاقتصادي؛ فالموقع الجغرافي لليمن يضعه في قلب مشاريع التجارة الدولية، مما يجعله ساحة لتنافس إقليمي ودولي محموم. إن المشهد هنا لا تحكمه معادلات بسيطة، بل تداخلٌ معقد بين صراعات النفوذ المحلية وأدوات الحرب غير التقليدية.
عدن مقابل جبل علي.. صراع الوجود
منذ عام 2014، ومع تحرك الصين لتفعيل "طريق الحرير" البحري، برز ميناء عدن كهددٍ محتمل لمكانة ميناء «جبل علي» الإماراتي. لقد تحولت العلاقة بين أبوظبي والشرعية إلى "عداء مكشوف" في اللحظة التي قررت فيها الحكومة اليمنية إلغاء عقد موانئ دبي والتوجه نحو تطوير الموانئ مع الجانب الصيني.
ولم تكن غارات الطيران الإماراتي على الجيش اليمني في "نقطة العلم" (أغسطس 2019)، التي راح ضحيتها المئات، إلا ذروة هذا الصدام؛ خاصة وأنها جاءت عقب تأكيدات صينية بأن الاتفاقية مع الحكومة الشرعية لا تزال سارية.
بين الوقائع والتأويل.. ميزان الدليل
ورغم هذه القرائن القوية، يظل الانتقال من "التساؤل التحليلي" إلى "الاتهام المباشر" خطوة تتطلب أعلى درجات التوثيق. فالسياسة في اليمن تتطلب قراءة نقدية تفصل بين تشابه النتائج وبين وجود تحالفات خفية منظمة. إن فهم ما يجري يتطلب تفكيك العلاقات المعقدة بين الفاعلين، والتعامل مع كل معطى بميزان الدليل لا الانطباع، بعيداً عن فخ التبسيط أو التسرع في إصدار الأحكام.

وعند القيام بتفكيك الخيوط المتشابكة، نحصل على استنتاج مؤقت، من خلال ربط الأحداث السالف ذكرها، وتقديم سردية متكاملة تجيب عن السؤال المركزي من المستفيد؟

"إن تفكيك المشهد يقودنا إلى استنتاج مؤقت مفاده أن ما يجري ليس صدفة، بل هو تقاطع مصالح دقيق. فالمستفيد من 'مسرحية' المكلا هو من يبحث عن شرعية دولية، والمستفيد من هروب عناصر التنظيمات المتطرفة هو من يقتات على غياب الدولة، والمستفيد من غياب القادة الكبار هو من يسعى لإضعاف المؤسسة العسكرية لتمرير صفقات التقاسم. وفي نهاية المطاف، تجتمع كل هذه المسارات لتخدم هدفاً واحداً: بقاء اليمن ساحة مفتوحة، موانئه معطلة، وقواه الوطنية (كحزب الإصلاح) مشيطنة أو مستهدفة، لتكتمل لوحة النفوذ الإقليمي على أنقاض السيادة اليمنية."

خاتمة: الحقيقة المُرّة.. صراع على الغنائم لا استعادة للدولة
في خضم هذا الكم الهائل من التناقضات، يصبح من الصعب – بل ومن السذاجة – التسليم بالرواية الرسمية التي تزعم أن التحالف العربي يقوده هدفٌ وحيد هو "استعادة الدولة". إن ما نراه اليوم في اليمن يشبه "لوحة تكعيبية" تتبدل ملامحها حسب زاوية الرؤية؛ فبين اغتيالات منظمة لم تسلم منها الكوادر التربوية، وبين تسليم مدن لتنظيمات مسلحة، وصفقات اقتصادية ملغومة لتعطيل الموانئ، يبدو أن الصراع لم يعد بين "عدو وصديق"، بل تحول إلى مفاوضات دموية بين "شركاء" يقتسمون الغنيمة على حساب السيادة اليمنية.

يبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: إلى متى ستظل أبوظبي تراهن على الميليشيات، وورقة الإرهاب، والقتلة المأجورين كأدوات وحيدة لإدارة نفوذها الإقليمي؟ وإلى متى ستقف الشرعية اليمنية – ومعها راعيها الإقليمي الأكبر – صامتة أمام هذا العبث المكشوف الذي ينهش جسد الدولة؟
إن الثابت الوحيد وسط هذا الركام هو أن كل ما بُني على حساب الدم اليمني لن يُكتب له البقاء طويلاً، مهما بلغت قوة الأدوات أو دهاء المخططين؛ فالتاريخ لا يرحم من جعلوا أوطان غيرهم مجرد "قربان" لمصالحهم.


Create Account



Log In Your Account