الإثنين 30 مارس ,2026 الساعة: 11:51 صباحاً
يمثل إعلان جماعة الحوثي الانخراط المباشر في الصراع الإقليمي تحت لافتة إسناد المحور ذروة الاستهتار بمصير ملايين اليمنيين الذين يكابدون واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. وتأتي هذه الخطوة لتؤكد غياب أي بعد بطولي أو إنساني كما يحاول الخطاب الحوثي الترويج له، بل تعكس توجهاً انتهازياً يضع الجغرافيا اليمنية وممراتها المائية في خانة المقايضة السياسية؛ خدمةً لأجندة تتجاوز حدود الوطن وتُدار من مراكز القرار في طهران.
لقد وجدت الجماعة التي عجزت عن توفير الحد الأدنى من الخدمات لمواطنيها، في التصعيد العسكري عبر الصواريخ والطائرات المسيرة – لا سيما في البحر الأحمر – فرصة مثالية للهروب من استحقاقات السلام الداخلي ومطالب صرف الرواتب المعلّقة منذ سنوات. وأوضحت المؤشرات أن جوهر هذا التحول لا يكمن في التضامن الإقليمي المزعوم، بقدر ما هو انتظار للضوء الأخضر الإيراني لاستثمار اللحظة وتوظيفها ضمن مشروع وحدة الساحات، الذي لا يرى في اليمن سوى منصة لإرسال الرسائل الصاخبة نحو الخارج.
إن تأخر الحوثيين في الإعلان عن هذا التصعيد لم يكن نابعاً من اعتبارات عسكرية أو سياسية داخلية، بل كان اختباراً دقيقاً لمستوى الضغط الدولي ومدى الردع الأمريكي، ومحاولة لقياس حدود المسموح به إيرانيّاً، وخلال تلك الفترة، لم تكن الجماعة تبحث عن مصلحة اليمنيين، بل كانت ترتّب لكيفية تحويل اليمن ومنافذه البحرية إلى ساحة ابتزاز دولي تمنحها ثقلاً تفاوضياً، وتوفر لها حصانة داخلية من المساءلة الشعبية والسياسية.
وخلف الشعارات الرنانة التي تُرفع في صنعاء، تتكدس أجندة أكثر خطورة؛ إذ تسعى الجماعة إلى تجميد المطالب المعيشية والحقوقية في مناطق سيطرتها عبر فرض حالة طوارئ غير معلنة، تُسكت بها الأصوات المطالبة بالحقوق تحت ذريعة "صوت المعركة". وأشارت الوقائع إلى أن الجماعة تحاول تقديم أوراق اعتماد جديدة لطهران باعتبارها "الوكيل الأكثر التزاماً"، القادر على المقامرة ببلد بأكمله لتخفيف الضغط عن الحليف الإيراني، فضلاً عن سعيها لانتزاع اعتراف دولي عبر العنف العابر للحدود، متصرفةً كقوة "قرصنة" لا كسلطة مسؤولة تحمي سيادة بلدها وأمنه القومي.
إن هذا التموضع يضع اليمن المنهك من عقد من الحروب والتمزق، في فوهة مدفع صراع إقليمي-دولي لا ناقة لليمنيين فيه ولا جمل، بل هو مجرد توظيف رخيص للجغرافيا ليكون منطلقاً لرسائل نارية تُكتب في طهران وتُنفذ في صنعاء. وبطبيعة الحال فإن الجماعة التي تتباكى على السيادة الوطنية هي ذاتها التي تفرط فيها اليوم عبر ربط مصير البلاد ببوصلة المحور، ضاربةً عرض الحائط بكل التحذيرات التي تنذر بتحويل اليمن إلى ساحة تصفية حسابات كبرى، لن يخرج منها الإنسان اليمني إلا بمزيد من الأوجاع والعزلة.
وبينما تدرك الجماعة تماماً أن أي رد عسكري دولي سيطال البنية التحتية والموانئ والمطارات – لا مواقع قياداتها المحصنة – فإنها تواصل الدفع بالبلاد نحو مواجهة لا يملك اليمن فيها شيئاً سوى الخسارة. إن النتائج المترتبة على هذا الاندفاع غير المحسوب تفتح أبواب الجحيم، حيث يتم استيراد صراعات دولية معقدة ودمجها قسراً بالأزمة المحلية.
لقد كشف إعلان الحوثيين الأخير عن طبيعة الجماعة التي تبحث خارج الحدود عما عجزت عن تحقيقه داخله. فسلطة لم تعد قادرة على إدارة اقتصاد منهار واحتقان شعبي متصاعد، لا تجد أمامها سوى افتعال معركة خارجية تصنع بها "عدواً أكبر" يبرر القمع ويجمّد المطالب. وبهذا التصعيد، تحاول الجماعة تعويض ضعفها المتنامي عبر تحويل "باب المندب" إلى منصة تهديد بديلة، لتقول للعالم: "قدرتنا على الإضرار بالممرات الدولية أهم من إدارتنا لبلد يتآكل من الداخل".
إن انخراط الجماعة الحوثية في المقامرة الإقليمية ليس مجرد "إسناد عابر"، بل هو استدعاء متعمد لأخطر مواجهة بحرية قد يشهدها التاريخ الحديث، تضع اليمن في فوهة مدفع لا يملك قرار إطلاقه.
فالكلفة الحقيقية تبدأ من تحويل باب المندب من شريان حياة وطني إلى ورقة ضغط إيرانية تُقايض بها طهران مصالحها في مضيق هرمز، مما يشرعن عسكرة البحر الأحمر ويمنح القوى الدولية مبرراً أخلاقياً وعسكرياً لمحاصرة السواحل اليمنية وتدمير بنيتها التحتية المتهالكة أصلاً.
وعلى المستوى الوجودي للمواطن، فإن هذه المغامرة تفرض ضريبة جوع غير مسبوقة؛ إذ إن مجرد بقاء التهديد قائماً يرفع كلف التأمين والشحن ويطرد خطوط الملاحة العالمية نحو طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يترجم فوراً إلى عزل اليمن عن سلاسل الإمداد الدولية وتجفيف ما تبقى من مساعدات إنسانية.
إن الجماعة بهذا التموضع، لا تخدم قضية عادلة بقدر ما تخدم بقاء سلطتها عبر افتعال حالة طوارئ دائمة، تُسكت بها الأنين الشعبي المطالب بالحقوق والخدمات، ليدفع اليمنيون وحدهم ثمن الوكالة من سيادتهم ومن لقمة عيش أطفالهم، في حربٍ يُراد لها أن تكون صرخة إيرانية بحنجرة يمنية.
خطوة الحوثيون هذه ليست دفاعاً عن محور، بل هي دفاع عن بقاء سلطة تخشى لحظة الحساب الداخلي أكثر من أي خصم خارجي، وهذا ما يجعل إعلان الحوثيين أخطر مما يبدو؛ ليس لأنه يهدد الملاحة فحسب، بل لأنه يهدد ما تبقى من كيان الدولة اليمنية ذاتها.