الأربعاء 11 مارس ,2026 الساعة: 08:46 مساءً
لفت انتباهي ما قاله الإعلامي أحمد فال ولد الدين عن إيران بعد عودته منها قبيل الحرب بأيام، كشاهد عيان، ملخصاً الوضع العام في إيران، كان أكثر ما لفت انتباهي تعريفه إيران بأنها ممزقة الهوية بين الإسلام والقومية الفارسية، وهو أمر في غاية الأهمية، يبدو إمساكها التشيع في نظري ناتج عن القومية الفارسية العصبوية المعتزة بذاتها المحتقرة لبقية الثقافات العالمية وعلى رأسها الثقافة العربية، رغم ادعاء الإيرانيين أن أئمتهم الذين يقودون بلادهم من نسل الحسين العربي!
لقد كان حب الداخلين في الإسلام والتخلص من الديكتاتورية الفارسية قديماً شغوفين بالعلم والمعرفة، ولذلك بزّوا العنصر العربي في الجانب العلمي والثقافي والتحصيل العلمي والأدبي، وتفرغوا لذلك، لأن العنصر العربي كان ممسكاً بخطام الدولة السياسي والعسكري التي تقود العالم، متنقلاً من قطر إلى قطر، بين السهول والوديان والجبال فاتحاً دعوياً مخضعاً العالم سياسياً وعسكرياً، وباعتقادي هذا أهم سبب لقلة بروز العلماء من أصل عربي رغم امتلاء كتب التاريخ بهم.
وعلى الرغم من قيادة العنصر الفارسي العلم والمعرفة والفلسفة والأدب واللغة وذوبانه في المجتمع الإسلامي كمسلم لا كعنصر فارسي خالص إلا أن كل ما ورثوه من علوم وثقافات لم يطبّع فارس (الوطن) بطابع إسلامي متميز ليذوب في الهوية الإسلامية كبقية الشعوب، ويمشي في ركابها كبقية البلدان؛ كون هذه العلوم تلقائية اختيارية لا إجبارية وليست مفروضة فرضاً على الدولة حتى يمضي الناس خلفها ويتشربون مبادئها ويسيرون على ضوئها، بعكس ما تم فرضه بقوة الحديد والنار من قبل الدولة الصفوية عبر مؤسسها الأول الشاه إسماعيل الصفوي، لتطبع البلاد بطابع التشيع الممزوج بالثقافة الفارسية.
لذلك قال الإعلامي أحمد فال: "إن أهم سؤال يواجه الإيرانيين ويجعلهم في حيرة من أمرهم ولا يجدون إجابة له: هل إيران إسلامية أم فارسية؟"!
وسنسرد أهم علماء الإسلام من أصول فارسية، وكيف أن الشعب الفارسي لم يتأثر كثيراً بثقافتهم وعلومهم لترشيد عصبيتهم الفارسية وتهذيبها التهذيب الإسلامي، بينما استطاع الشاه الصفوي إسماعيل تكريس العصبية الفارسية وسلخ إيران عن الإسلام الصافي الذي ينبذ العصبيات والسلاليات والعرقيات.
لقد شهر تاريخياً أن أبرز علماء الحديث (السنة) هم من أصل فارسي، كـ الإمام البخاري (محمد بن إسماعيل): أصله من بخارى (فارس)، وكان جده "بردزبه" مجوسياً قبل أن يسلم، وتلميذه الإمام مسلم بن الحجاج: من نيسابور (إيران حالياً)، والإمام أبو عيسى الترمذي: من ترمذ، والإمام أبو داود: صاحب السنن، والإمام ابن ماجه: صاحب السنن أيضاً، والإمام النسائي: أحمد بن شعيب (من نسا في خراسان)، وأبو حاتم الرازي: من كبار حفاظ الحديث.
أما الإمام عبد الله بن المبارك: فكان من مرو، ومحمد بن سيرين: من كبار التابعين، كان أبوه من سبي جرجرايا تملكه أنس بن مالك.
أما أبرز علماء اللغة العربية من أصل فارسي: فعلى رأس القائمة يأتي سيبويه (عمرو بن عثمان بن قنبر): إمام النحاة، وواضع أسس النحو العربي في كتابه الشهير "الكتاب"، وأبو علي الفارسي (الحسن بن أحمد): أحد كبار النحاة وأئمة اللغة في القرن الرابع الهجري، وابن فارس (أحمد بن فارس بن زكريا): صاحب معجم "مقاييس اللغة" و"فقه اللغة"، وكان لغوياً بارزاً، والزمخشري (محمود بن عمر): صاحب تفسير "الكشاف" وكتاب "المفصل" في النحو، وأبو عثمان المازني (بكر بن محمد): عالم بالنحو والصرف، ومن أبرز أئمة المدرسة البصرية، الزمخشري: جار الله، وهو فارسي الأصل، وكان إماماً في التفسير واللغة.
أما أبرز القادة العسكريين فهم: أبو مسلم الخراساني (أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراساني): رأس خراسان ورأس كل الفرسان، كان القائد العسكري الرئيسي الذي أطاح بالدولة الأموية وقاد الثورة العباسية في خراسان، ويعد من أهم الشخصيات التاريخية التي أثرت في شكل الخلافة الإسلامية.
وبعد أبي مسلم في المرتبة والذكر يأتي البرامكة (عائلة برمك): عائلة فارسية بارزة تولت الوزارة والإدارة في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وكان لهم دور سياسي كبير قبل سقوطهم.
ثم طاهر بن الحسين: قائد عسكري فارسي بارز، ولاه الخليفة المأمون على خراسان، وأسس الدولة الطاهرية التي كانت تابعة اسمياً للخلافة العباسية، لكنه كان شبه مستقل عن الدولة العباسية، والهرمزان: القائد الفارسي من أصل ساساني، الذي اعتنق الإسلام بعد الفتح الفارسي، وقيل لم يسلم بل كان ذمياً، وأصبح مستشاراً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وقتله عبيدالله بن عمر بن الخطاب خطأ لكونه فارسياً ثأراً لأبيه عمر بعد اغتياله من قبل أبي لؤلؤة المجوسي، وكاد الخليفة عثمان أن يقتله قصاصاً ولكنه دفع عنه الدية.
أما أبرز الأدباء فكان عمر الخيام، وهو الشاعر الفارسي الذي اشتهر عالمياً بالرباعيات هو عمر الخيام (غياث الدين أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام)، المولود في نيسابور (1048-1131 م). هو عالم فلك، رياضيات، وفيلسوف، نال شهرة واسعة بفضل قصائده الفلسفية الموجزة (الرباعيات) التي ترجمت إلى لغات عديدة، وتناولت التأمل في الوجود والحيرة الإنسانية.
أما أشهر وأبرز الفلاسفة المسلمين من أصل فارسي فيأتي ابن سينا (أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا) على رأس القائمة: أصله: فارسي، ولد بالقرب من بخارى (أوزبكستان حالياً) وتوفي في همدان (إيران)، ويُعد أبرز فلاسفة وأطباء العالم الإسلامي، ولقب بـ "الشيخ الرئيس" و"أمير الأطباء"، ويأتي بعده الفارابي (أبو نصر محمد)، وأصله فارسي، ولد في فاراب (كازاخستان حالياً)، وهو الملُقب بـ "المعلم الثاني" (بعد أرسطو) نظرًا لشرحه وتطويره لمؤلفات أرسطو، ويُعتبر المؤسس الأول للفلسفة الإسلامية، وجمع بين الفلسفة العقلانية والمنطق والسياسة والأخلاق، وتأثر بالأفكار اليونانية والفارسية، وعبد الله بن المقفع (روزبه بن داذويه)، أصله فارسي، اعتنق الإسلام وعاصر الخلافة الأموية والعباسية، وهو مفكر وأديب بارز نقل التراث الفارسي (البهلوي) إلى العربية، وهو صاحب "الأدب الصغير" و"الأدب الكبير"، وساهم في تعريب الفكر السياسي والأخلاقي.
فماذا عن كل هؤلاء العلماء والمفكرين؟ هل استطاعوا صبغ الوطن الفارسي بالثقافة الإسلامية ونبذ الثقافة الفارسية ليذوبوا في المجتمع الإسلامي كبقية الشعوب والثقافات؟
لا يبدو ذلك أبداً؛ كون هؤلاء انتقلوا من مجتمعهم إلى المجتمعات العربية في بغداد والشام والكوفة ومصر وغيرها، رغم معيشة بعضهم في بلدهم فارس، ومع كل إسهاماتهم العلمية لم تتأثر بهم الشعوب الفارسية كثيراً لتغير من هويتها واعتزازها الفارسي، والسبب في ذلك بالإضافة إلى ما سبق أن الشعوب تتأثر بطابع حكامها، وبالثقافات والمبادئ التي تكرسها الحكومات وتفرضها على الشعوب.
على الرغم من أن أسرة إسماعيل الصفوي كانت صوفية سنية إلا أن اعتزازها الفارسي وثقافتها الفارسية امتزج بنهج جديد هو اعتناق التشيع الخاص الذي يكون قريباً من الفكر الفارسي على حساب الفكر والثقافة العربية الإسلامية، ما إن تولى العرش حتى استفرد بكل العرب، وحكم بالحديد والنار، وفرض فكره الشيعي الضال الإثناعشري، حتى ترعرعت هذه الثقافة التي قامت على الأساس الفارسي وبعثت من جديد، مما جعل الحكم الإيراني السابق واللاحق منفصلاً تماماً عن الثقافة الإسلامية العامة، فضلاً عن الثقافة السنية.
الشعوب مهما كانت على درجة عالية من الثقافة والفكر المعين إلا أنها لا تمضي إلا خلف سياسة حكامهم، وما يفرضه الحاكم من فكر هو الذي يسود في نهاية المطاف، خاصة إن توافقت هذه السياسة مع فكرة إيجابية كالإسلام مثلاً، ولذلك قيل في المثل: "الناس على دين ملوكهم"! وهو ما فعله الشياهين الفرس في الشعب الفارسي والشعوب المجاورة وطبعوا البلاد التي يحكمونها بمنهجهم الصفوي الشيعي وهي فكرة غير إيجابية، لكن ما أطال أمدها هو دوام استعمال الحديد والنار مع نوع من الترويح الذاتي والتنفس البسيط للشعب الفارسي عبر ربطه بالثقافة والهوية الفارسية.
فالتمييز العرقي الفارسي في الثقافة الفارسية سحبوه أيضاً على التمييز العرقي السلالي الهاشمي، ومن هنا تم استيراد السلالية الهاشمية كتقليد للعرقية الفارسية، بينما مزج الشياهين الفرس بين هاتين العنصريتين الفارسية والهاشمية فيهم، وصارت مستعلية على كل الشعوب والعرقيات والسلاليات الأخرى، وهو ما انعكس في التصرفات الإيرانية الأخيرة مع بقية شعوب المنطقة من احتقار وازدراء للشعوب العربية سلالة وثقافة وتعايشاً!
لا يمكن بحال من الأحوال أن يعتنق الناس عقيدة وفكراً من تلقاء أنفسهم دون الفرض بوجود الدعامتين الأساسيتين أو الركيزتين الأساسيتين للفكر، وهما: التعليم ونشر الوعي والوعظ بالحسنى، فإن لم تجد هذه الركيزة والوسيلة فبالفرض بالقوة والقانون والسلطة، ولذلك شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر، بالحديث الذي يرويه عثمانَ بنِ عفانَ -رضِيَ اللهُ عنه- قال: "إنَّ اللهَ يزعُ بالسلطانِ ما لا يزعُ بالقرآنِ".
وهذا الأمر كان مع الأنبياء سابقاً ولاحقاً؛ فالأنبياء الذي ظلوا يعظون أقوامهم مدة من الزمن بركيزة الوعظ والدعوة فقط لم يتبعهم إلا قليل، ولذلك استعمل الله -سبحانه وتعالى- معهم القوة فأهلك من هلك، وأخذ بالسنين من أخذ.
وهناك أنبياء مضوا في الطريقين؛ الدعوة بالحسنى والوعظ والإرشاد كموسى ومحمد -صلى الله عليه وسلم- وكذلك بالقوة، وما كان لفكرة أو فكر أو عقيدة أو دعوة لتنجح دون هاتين الركيزتين الأساسيتين. لكن ثمة فرق بين فرض فكرة وعقيدة إيجابية كدعوة الرسل وبين فرض فكرة وعقيدة سلبية كعقيدة الدكتاتوريات والأحزاب والقوميات والنظريات وغيرها؛ فهذه تفشل ولا يكتب لها الحياة، وفكرة وفكر ودعوة الخميني ستزول لا محالة لأنها في نهاية المطاف ستصطدم بواقع ومصالح الشعوب.
من أجل ذلك ظل اليمنيون يقاومون الفكر الإمامي أكثر من ألف سنة، وسيظلون ما بقيت هذه الفكرة والعقيدة الشوهاء، مهما طال الزمن أو قصر؛ لأنها لا تنتمي للشعب ولا مصالحه.