السبت 28 أبريل ,2018 الساعة: 03:03 مساءً
يبدو أن محافظ تعز الدكتور/ أمين محمود، إما أنه لا يفهم بفن إدارة الأزمات، ولا يدري من أين يبدأ، ولا ماهي أولوياته بالتحديد حول مسألة إدارة شؤون محافظة متخمة أصلا بالأولويات، غارقة حتى أذنيها بالكوارث والأزمات -الداخلية قبل الخارجية - وإما أن هذا المحافظ يعي جيدا ماذا يفعل، وإلى أين يريد أن يصل، وذلك من خلال اللعب على المتناقضات الحاضرة بقوة داخل محافظة تعز، إلى جانب تناقضاته هو نفسه مع نفسه !
فهو يعلم يقينا أن سر بقائه وديمومته على رأس محافظة مهمة مثل محافظة تعز، يكمنان في اللعب على ورقة صراع الإخوة الأعداء، رفقاء السلاح بالأمس في عدة جبهات!
صحيح أن الرجل جاء من داخل كندا، مستقويا بجنسيته الكندية، لكنه جاء أيضا مستندا على حزمة من القرارات والصلاحيات من قبل الرئاسة الشرعية ممثلة بالرئيس هادي وكذلك التحالف، بالرغم من أن ما يقارب ثلثي أبناء تعز لا يعرفون هذا المحافظ إطلاقا، فهو لم يكن من قيادات الصف الأول التي أدارت دفة الحكم إبان سلطة علي صالح.. فأعلى منصب تقلده كان مدير عام مؤسسة كهرباء ومياه الريف.. ولذلك فإن هناك نسبة 5- 7% من الناس في تعز، استقبلت قرار تعيينه محافظا لتعز بحملة إعلامية شرسة، مؤكدة بأن الرجل ما هو الا فاسد كبير، اختلس المئات من ملايين الريالات دون أن يرمش له جفن، أو يقوم أحد بمحاسبته!
وعندما وصل إلى تعز، كانت الزفة الإعلامية عن فساده على أشدها في وسائل التواصل الاجتماعي.. هو من ناحيته وصلته أصداء تلك الزفة، فقام بتخزينها في ذاكرته..
حاول محافظ تعز الجديد أن يثبت للجميع بأنه رجل عملي، فكان معظم تركيزه منصبا حول رواتب الموظفين، وكيفية انتظامها، ونجح فعلا بهذه النقطة، لكنه أهمل أهم النقاط الرئيسية، والمتمثلة بتطبيع الأوضاع داخل المدينة ومن ثم التركيز على كيفية الحفاظ على أمن وسلامة المواطن التعزي من القتلة واللصوص وقطاع الطرق، ومواكبة ذلك في كيفية استعادة مؤسسات الدولة والتي تقع تحت سيطرة بعض قادة المقاومة، ولم يتم تسليم الكثير منها إلى كنف الدولة المفترضة حتى هذه اللحظة..
في أثناء انشغال الرجل ببعض تربيطاته الخاصة، وتكوين شبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية، وأحيانا العسكرية، كانت الأوضاع الأمنية في المناطق التي تقع تحت سيطرة المقاومة تزداد سوءا، كالاغتيالات التي طالت العديد من الشخصيات المدنية ومنها خطباء الجوامع.. فيما كان يكتفي الرجل ببعض التصريحات والوعود بملاحقة الجناة، دون التحرك الفعلي للقيام بذلك !
من تناقضاته العجيبة، والتي قللت من هيبته وهيبة منصبه، هو عندما خرج العديد من المواطنين في مسيرة رافضين الحزام الأمني ربما كان سيرتب له عن طريق طارق محمد عبد الله صالح، فكان خروج المسيرة الرافضة تحت يافطة "جمعية أسر الشهداء " فما كان من المحافظ الا أن يصدر بيان ناري بعيد عن الحصافة والذكاء، بل بعيد كل البعد عن شخص يعد أرفع مسؤول في السلطة المحلية بتعز، بدلا من أن يكون على مسافة واحدة من الجميع ، صور ببيانه ذاك، الذين خرجوا في مسيرة ضد الحزام الأمني، وضد طارق عفاش، بأنهم "طابور خامس"!
وفي اليوم التالي يقوم باستقبال ممثلي أسر الشهداء للاعتذار ، بعد أن تم-التصوير بذكاء- للمحافظ بأن الطابور الخامس الذي قصده ببيانه يوم أمس ، ما هو الا عبارة عن مؤسسة مدنية تمثل أسر الشهداء !
المشهد الآخر المليء بالتناقضات هو، عند اغتيال ممثل الصليب الأحمر في منطقة الضباب وهو في طريقه إلى داخل مدينة تعز ، حيث ظل المحافظ عدة أسابيع - ربما رغبة منه - للتأكد من الجهة التي تورطت باغتيال "حنا" ..ممثل الصليب الأحمر الدولي في بلادنا.
ولأن الرجل -أي محافظ تعز - من عشاق الكولسة، فقد كان الاتفاق مع أبو العباس هو تسليم المقرات الحكومية التي تحت سيطرة هذا الأخير، من أجل الترميم، فيما كانت رسالة المحافظ - ربما هكذا فهمها أبو العباس واللجنة الأمنية -هو قيام هذه الأخيرة بالهجوم على المقرات التي تحت حوزة أفراد أبو العباس، لإرجاعها إلى سيادة الدولة من جديد ...سوء الفهم، وربما عدم توضيح المحافظ للناس حول الخطوة التي يريد اتخاذها من أجل استتباب الأمن والاستقرار - بسبب تلك الهفوة القاتلة من قبل المحافظ، كانت سببا كافيا للتصادم بين الإخوة الأعداء، والذين كان لهم الدور الأبرز في تحرير العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرة الحوثي ..فكانت فاتورة هذا التصادم من أكثر الفواتير كلفة على كل المستويات : لعشرات من خيرة شباب تعز سقطوا صرعى ومثلهم جرحى بل وأسرى ..بسبب ذلك التناحر غير المبرر، فيما الطرفين أصلا لديهم كامل القناعة بأن الدولة يجب أن تستعيد عافيتها ودورها المأمول بها، ولن يتأتى ذلك الا باستعادة كافة المؤسسات والمقرات الحكومية لأحضان الدولة، لكن الآلية لاستعادتها هي المختلف حولها، فكان ما كان من آلام وأحزان أضرت بسمعة تعز وبأبناء تعز.
وعلى مدى أيام من التناحر والدماء الغزيرة التي سفكت في كثير من الأحياء والأزقة، كان المحافظ أمين نائم في كوكب آخر -لاحس ولاخبر - وربما كان وقتها يحتسي نخب انتصار مزيف، هو أقرب لنخب فتنة أشعلها -حتى لو كانت دون عمد -بدلا من أن يحاول إدارة قضية حساسة والسيطرة عليها بذكاء شديد، بل صمتَ صمت القبور ، عندما وجد بأن الأمور خرجت عن سيطرته، وفي المقابل كان الناس في هلع شديد وتوجس، بل كانوا ينتظرون بفارغ الصبر خروج المحافظ ولو ببيان أو تصريح يوضح للناس من هو المتمرد على سلطة الدولة، ومن هي الجهة المخولة بإعادة مؤسسات الدولة إلى حضن دولة -كانت ولازالت - مختطفة أصلا، وبدلا من ذلك أصدر المحافظ بيان هو أقرب لخطبة جمعة، يقوم على الوعظ والإرشاد، ومخلوط بشعارات وطنية جوفاء ، لا علاقة لها بما يدور في الواقع، بقدر ما زاد الطين بلة، والوضع الأمني ازداد تعقيدا، وبلغت قلوب الناس الحناجر دون وجود بصيص أمل -في الوقت المنظور على الأقل - فيما لا زال الكثير من الناس في تعز يحدوهم الأمل بأن يزورهم ولو من بعيد بصيص من نور ليخرجهم من هذه الظلمة الحالكة!