السبت 11 يوليو ,2026 الساعة: 12:48 مساءً
لم تعد المؤشرات الدولية مجرد أرقام تنشرها المؤسسات العالمية، بل أصبحت مرآة التنمية وصناعة القرار ولغة مشتركة تقيس بها الأمم مستوى تقدمها الاقتصادي والاجتماعي، وأداة رئيسية تستند إليها الحكومات في رسم السياسات وتقييم الأداء وصناعة المستقبل. فكلما تقدمت دولة في مؤشرات الابتكار والتنافسية والتنمية البشرية وجودة الحياة، دل ذلك على نجاحها في الاستثمار في الانسان وإدارة مواردها بكفاءة. وفي المقابل، فإن تراجعها في مؤشرات الفقر والبطالة والتضخم يكشف عن اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد والإدارة العامة.
وتتنوع هذه المؤشرات بين ثلاثة محاور رئيسة:
المؤشرات الاقتصادية مثل الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات التضخم والبطالة، ومؤشر الابتكار العالمي، والتنافسية العالمية.
المؤشرات الاجتماعية مثل التعليم، والصحة، والفقر، والتنمية البشرية، وجودة الحياة.
المؤشرات البيئية مثل جودة الهواء، وإدارة الموارد الطبيعية، والاستدامة البيئية.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لتحسين مواقعها في المؤشرات العالمية، باعتبارها معياراً لقياس التنمية والقدرة التنافسية وجودة الحياة، يجد اليمن نفسه، بكل أسف، يسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ يواصل التراجع في مؤشرات الفقر والبطالة والتضخم، ويعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية متفاقمة، حتى أصبح اسمه يتكرر في المؤشرات المرتبطة بالأزمات أكثر من ارتباطه بمؤشرات التنمية والابتكار. ويكشف هذا الواقع عمق الاختلالات التنموية وأثرها المباشر على الإنسان والاقتصاد، في وقت تتجه فيه الأمم نحو بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز تنافسيتها العالمية.
عندما يتحول الفقر إلى صناعة
يُعد مؤشر البؤس من أشهر المؤشرات الاقتصادية التي تقيس حجم الضغوط الواقعة على المواطن، ويستند في صورته التقليدية إلى معدلات التضخم والبطالة، مع إضافة أسعار الفائدة في بعض النماذج الحديثة.
وفي الاقتصادات المستقرة، يمثل ارتفاع هذا المؤشر جرس إنذار يدفع الحكومات إلى مراجعة سياساتها الاقتصادية. أما في اليمن، فقد تحولت مسببات هذا المؤشر إلى واقع يومي يعيشه المواطن، نتيجة سنوات طويلة من الحرب والانقسام وتراجع النشاط الاقتصادي، حتى أصبح الفقر يتسع بوتيرة أسرع من أي جهود لمعالجته.
والمؤلم أن اليمن لا يعاني من ندرة الموارد بقدر ما يعاني من ضعف استثمارها، ومن غياب السياسات الاقتصادية القادرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى فرص إنتاج وتنمية. ففي الوقت الذي تسابق فيه الأمم الزمن لبناء اقتصاد المعرفة والابتكار، يبدو وكأننا ندخل سباقاً من نوع آخر؛ سباق تتزايد فيه معدلات الفقر، وتتراجع فيه مؤشرات التنمية عاماً بعد آخر.
ربما لا يوجد مؤشر أكثر تعبيراً عن الأزمة الاقتصادية من الانهيار المستمر في قيمة العملة الوطنية. فقد أدى التراجع الحاد في سعر صرف الريال اليمني إلى موجات متتالية من التضخم، انعكست بصورة مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والوقود والنقل والخدمات الأساسية، بينما بقيت دخول معظم المواطنين ثابتة أو تراجعت قيمتها الحقيقية بصورة كبيرة.
ولم يعد التضخم مجرد مصطلح اقتصادي، بل أصبح عبئاً يومياً يفرض على الأسرة اليمنية إعادة ترتيب أولوياتها باستمرار، حتى بات كثير من المواطنين عاجزين عن توفير الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن الادخار أو التخطيط للمستقبل.
الاستثمار في بيئة تطرد المستثمر
لا يمكن لأي اقتصاد أن يحقق النمو في بيئة يغيب عنها الاستقرار وتتعدد فيها المخاطر. وخلال السنوات الماضية، غادرت استثمارات محلية عديدة إلى الخارج بحثاً عن بيئة أكثر أمناً واستقراراً، بينما واجهت المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الداخل تحديات غير مسبوقة تمثلت في تعدد الجبايات، وارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف القوة الشرائية، وصعوبة الحصول على التمويل، فضلاً عن تعقيدات الإجراءات الإدارية.
ولم تعد المشكلة تقتصر على عزوف المستثمرين الجدد، بل امتدت إلى تراجع قدرة المشاريع القائمة على الاستمرار، الأمر الذي أدى إلى إغلاق عدد كبير منها، وفقدان آلاف فرص العمل التي كانت تمثل مصدر دخل لآلاف الأسر.
لا تقاس الأزمات الاقتصادية بحجم الخسائر المالية وحدها، بل بمدى انعكاسها على حياة الإنسان. ففي القطاع الصحي، أصبحت المستشفيات والمراكز الطبية تواجه تحديات كبيرة في توفير الخدمات الأساسية، بينما يضطر كثير من المرضى إلى تحمل تكاليف علاج تفوق إمكاناتهم، أو السفر إلى الخارج لمن يستطيع.
أما التعليم، فقد تأثر بصورة عميقة نتيجة الظروف الاقتصادية، حيث واجه المعلمون أوضاعاً معيشية صعبة، وتراجعت البيئة التعليمية، وارتفعت معدلات التسرب من المدارس، واتجه كثير من الأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة، الأمر الذي يهدد بتكوين فجوة معرفية سيكون لها أثر طويل الأمد على التنمية.
ولعل من أخطر نتائج الأزمة الاقتصادية استمرار هجرة الكفاءات الوطنية. فالأطباء، والمهندسون، والأكاديميون، والباحثون، والفنيون، يغادرون البلاد بحثاً عن بيئة تتيح لهم العمل الكريم والاستقرار المهني، بينما يفقد الوطن تدريجياً أهم موارده الاستراتيجية: الإنسان المؤهل.
ولا تقتصر الخسارة على مغادرة الأفراد، بل تمتد إلى ضياع سنوات طويلة من الاستثمار في التعليم والتدريب والخبرة، لتصبح هذه العقول رافداً لتنمية اقتصادات أخرى، في الوقت الذي تزداد فيه حاجة اليمن إليها لإعادة البناء وتحقيق التعافي.
عندما يصبح التسول مؤشراً اقتصادياً
من أكثر المشاهد إيلاماً اتساع ظاهرة التسول في المدن اليمنية، حتى غدت جزءاً من المشهد اليومي. أطفال ونساء وكبار سن يقفون عند التقاطعات والأسواق وأبواب المساجد، في صورة تعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع. ولم يعد التسول مجرد حالة فردية، بل أصبح في كثير من الأحيان انعكاساً لتراجع فرص العمل واتساع رقعة الفقر وضعف شبكات الحماية الاجتماعية.
إن اتساع هذه الظاهرة لا يمثل مشكلة اجتماعية فحسب، بل يعد مؤشراً على تراجع الكرامة الإنسانية، ويستدعي تدخلات اقتصادية واجتماعية عاجلة تعالج جذور المشكلة، لا مظاهرها فقط.
ماذا يعني أن يتصدر اليمن مؤشرات البؤس؟
تكمن خطورة هذه المؤشرات في أنها لا تعكس الحاضر فحسب، بل ترسم ملامح المستقبل. فكل ارتفاع في معدلات التضخم أو البطالة يعني مزيداً من الفقر، وكل مشروع يغلق أبوابه يعني مزيداً من العاطلين، وكل كفاءة تغادر البلاد تعني خسارة جديدة لرأس المال البشري، وكل طفل يترك مدرسته يعني اتساع الفجوة التنموية في السنوات المقبلة.
ولذلك، فإن استمرار التراجع في هذه المؤشرات لا يمثل أزمة اقتصادية فقط، بل تهديداً مباشراً لمسار التنمية والاستقرار الاجتماعي.
وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن المشكلة ليست في أن يحتل اليمن مرتبة متأخرة في مؤشر دولي، وإنما في أن هذه المؤشرات أصبحت تعكس واقعاً يعيشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. ففي الوقت الذي تتنافس فيه الدول على تحقيق مراكز متقدمة في الابتكار، والاقتصاد الرقمي، وجودة التعليم، وجذب الاستثمارات، يجد اليمن نفسه منشغلاً بمواجهة تحديات الفقر، وانهيار العملة، وتراجع الخدمات، وهجرة الكفاءات.
إن الخروج من دائرة البؤس ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية صادقة، وإدارة اقتصادية رشيدة، وإصلاحات مؤسسية حقيقية تضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
كما يتطلب من جميع القوى والأطراف التي تتولى إدارة شؤون البلاد أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وأن تقدم التنازلات اللازمة من أجل اليمن، وأن تُغلِّب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، باعتبار أن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني هو الشرط الأول لاستعادة الثقة، وتحريك عجلة الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتهيئة البيئة المناسبة للتنمية المستدامة فلا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض في ظل استمرار الصراع والانقسام، ولا لأي مؤشرات تنموية أن تتحسن في غياب الاستقرار، فالثروة الحقيقية للأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد طبيعية فحسب، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد، وبناء المؤسسات، وتمكين الإنسان من الإنتاج والإبداع.
وعندما يتحول الاهتمام من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن استنزاف الموارد إلى استثمارها، ومن الصراع إلى التوافق، يمكن لليمن أن يغادر مؤشرات البؤس إلى مؤشرات التنمية، وأن يصبح التنافس على الابتكار والإنتاج بديلاً عن سباق الفقر والانهيار، ليعود الوطن مكاناً يصنع الأمل، لا الأزمات.