الخميس 28 مايو ,2026 الساعة: 07:21 مساءً
في عام 1971، خطّ الأديب اليمني الراحل محمد أحمد عبد الولي روايته الخالدة "يموتون غرباء"، ليلخص فيها وجعاً يمنياً عابراً للأجيال والعهود. حكاية "عبده سعيد"؛ ذلك المواطن البسيط الذي فرّ من ضنك العيش وقهر الظروف في بلاده مهاجراً إلى الحبشة، محشوراً بين جدران دكانه الصغير، يقتات يومياً على حلم العودة وبناء غدٍ أفضل، لينتهي به المطاف ميتاً في مغتربه، وحيداً، ومحاطاً بأحلام مجهضة لم يرَ منها شيئاً.
اليوم، وبعد عقود طويلة على تلك الرواية، يبدو أن تراجيديا عبد الولي لم تكن مجرد سرد قصصي لزمن مضى، بل كانت نبوءة سوداء تمتد وتتسع لتطال الجميع في اليمن، حتى من جلسوا يوماً على سدة الحكم.
مع رحيل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي خارج حدود الوطن، يتجدد هذا المشهد المأساوي بمرارة أشد وأقسى. ليس الأمر هنا مجرد رثاء سياسي لرئيس دولة سابق، بل هو تجسيد حي للمحنة اليمنية المستمرة في أعتى صورها. فإذا كان المواطن "عبده سعيد" قد مات غريباً باحثاً عن الأمان ولقمة العيش، فإن الرئيس هادي -رغم رمزية منصبه- قد أمضى سنواته الأخيرة هو الآخر في المنفى، يرقب انكسارات بلاده من وراء الحدود، ويموت وفي قلبه غصّة الأحلام الكبيرة بـ "يمن اتحادي مستقر" عصف به صراع السلاح وتكالب الأزمات، وسوء إدارته للمرحلة.
"إن محنة اليمن واليمنيين تبدو أشد وطأة من أي شعب آخر؛ ففي الوقت الذي تتغير فيه تضاريس العالم وتتداوى جراح الأمم، يظل اليمني -سواء كان عاملاً بسيطاً في دكان غربة، أو رئيساً للدولة- محكوماً بذات القدر: أن تدثره الهموم، وتثقله الصراعات، وأن تكون المنافي ملجأه الأخير.. ومثواه الأخير."
إن هذا التداخل بين مصير "عبده سعيد" ومصير "عبد ربه منصور هادي" يعيد إلى الأذهان حقيقة مرعبة: في اليمن، لا يميز وجع الغربة بين رئيس ومرؤوس، ولا بين نُخبة وعامة. فالكل في شتات المأساة سواء. الفرق أن المواطن يغادر مجبراً تحت وطأة محنة بلد صنعها الحكام،أما الرؤساء فهم صنّاع مهرة لمحنتنا قبل ان يكتووا بما صنعوه .
خروج الرئيس السابق من وطنه في بدايات الحرب، لم يكن مجرد خروج شخصي، بل كان إيذاناً بتغريبة جماعية كبرى لحقت بملايين اليمنيين الذين تفرقوا في منافي الأرض، تاركين خلفهم بيوتهم وأحلامهم.
يموت الرئيس بعيداً، ليرسل رحيله رسالة صامتة وبليغة إلى كل صناع القرار والفرقاء: إن الحروب التي تلتهم الأوطان لا تترك مكاناً آمناً لأحد، وأن المأساة إذا دارت رحاها فلن تستثني أحداً من مرارة التشريد والموت في الشتات.
يبقى السؤال المرير الذي تركه محمد أحمد عبد الولي معلقاً في أفق الرواية، ويتركه واقع اليوم على جدار الوطن: متى سيتوقف اليمنيون عن الموت غرباء؟ ومتى ستتسع هذه الأرض الطيبة لأبنائها وأحلامهم وهم أحياء، بدلاً من أن تضيق بهم لتبتلعهم المنافي، وتعود بهم مجرد جثامين تبحث عن قبر في تراب الوطن؟
مات عبده سعيد غريباً عن بلاد جعلها حكامها مرادفة للموت، ومات عبدربه منصور هادي وقد اكتوى بما صنعته أطماع الإنقلاب وما جناه هو على البلاد حين كان يناور بمستقبل البلاد وحين استمر عاجزاً في الداخل وكان أشد عجزاً في الخارج وأكثر فداحة.