مسلسل ملوك اليمن..!
الجمعة 20 فبراير ,2026 الساعة: 05:04 مساءً

أتحفتنا قناة "يمن شباب" بمحاولة عظيمة للعمل الدرامي التاريخي الذي يستنهض التاريخ المشرق لليمن، والذي يهدف إلى استنهاض الشخصية اليمنية لقيادة التحرير اليوم، وإعادة بناء اليمن بوجه مشرق كما كان في الزمن الماضي.

تسليط الضوء بالعمل الدرامي على التاريخ لبعث الذات اليمنية هو ما تقوم به كثير من الدول ذات الرؤى البعيدة الجامعة للشعوب كنوع من الاعتزاز بالهوية واستنهاض الشعوب وتوحيدها خلف عقيدة وهوية واحدة، هو ما ننادي به منذ زمن؛ فقد رأينا العمل الدرامي التركي كيف استنهض تركيا وحسن وجهها أمام العالم، وجذب انتباه الشعوب الأخرى لمعرفة التاريخ التركي، وكذلك الإيراني والصيني والهندي وغيرها، حتى أصبح العمل الدرامي جبهة من أهم الجبهات الداخلية في بناء الدول لا يقل أهمية عن الجبهات العسكرية.

كل هذا العمل تطلب موازنات ضخمة لتنفيذه وإظهاره بالمظهر اللائق، وأظنها العقبة الكبيرة أمام تطوير "يمن شباب" لهذا العمل؛ فقد بذلت القناة جهد المقل، وليس فقراً في الكُتّاب ولا المؤلفين ولا المنتجين ولا المخرجين، ولا حتى الممثلين، وأجزم أنه لو حصلت على موازنة كافية لأنتجت أفضل مما تعرضه اليوم بكثير، وهو الأمر الذي نعاني منه جميعاً. 
فقد طرقنا أنا والصديق الدكتور هاني الصلوي كل باب لإنتاج عمل ضخم من هذا المنطلق لإحياء الروح اليمنية طيلة عامين كاملين وما زلنا، ولم نحصل على أي دعم حتى الآن، على الرغم من أننا جهزنا كثيراً من المتطلبات وهيأنا الأرضية لذلك.
صادف أول حلقة من المسلسل شخصية سيف بن ذي يزن أن كنت أسجل حلقة في قناة العربية في برنامج "سجال" مع المذيع الرائع مشاري الذايدي حول نفس الشخصية وكل ما قيل عنها من جميع الجوانب، ونتحدث عن نفس الموضوع قبل أن أعود وأشاهد الحلقة في "مسلسل ملوك اليمن" لإبداء ملاحظاتي عليها من خلال الواقع لا من خلال المناكفات والخلافات الشخصية التي يذهب إليها الكثير من الناقمين والمعارضين لأي عمل من خارج السلة والتوجه، كما يفعل المفسبكون.
وكمتابع، وقارئ للتاريخ والأدب اليمني، سأورد هنا بعض الملاحظات الهامة على مسلسل "ملوك اليمن" بعيداً عن الناقدين/مين للعمل من قبل مخالفي التوجه للقناة والمنتجين والكُتاب، وهذه الملاحظات كالتالي:

 أولاً: الذهاب وراء سردية المظلومية التي أنتجها السريان المسيحيون وكذلك البيزنطيون والأحباش، وسار على نهجهم الروائيون الإخباريون، وإعطاء المبرر الأخلاقي والديني للحبشة لغزو اليمن، هو أمر ليس صحيحاً البتة، بدليل أن السميفع أشوع والذي يعتبر والد سيف بن ذين يزن وسيف كانا نصرانيين في فتراتهما المتأخرة، وسيف والسميفع أشوع ألقاب لا أسماء، كما عند كثير من المؤرخين، وسيف هو معدي كرب، وهناك روايات عن أن النعمان والد سيف (السميفع أشوع) هو من ذهب أولاً إلى الإمبراطور الروماني يستنجده على ظلم الأحباش لليمن وهو على دينه فرفض الإمبراطور الروماني نجدته فتوجه إلى كسرى وماطله حتى مات على بابه وجاء سيف لإكمال مهمة أبيه في تقصي أثره من حيث الاستعانة فرفض أولاً من الروم ثم كسرى قبل أن يتم مراجعته ويقبل بإرسال السجناء معه...إلخ القصة.

 فقد كانت المسألة برمتها حرب نفوذ واستيلاء اقتصادي وسياسي لضم اليمن، في طريق ضم الجزيرة العربية كلها، إلى الإمبراطورية الرومانية عن طريق الحبشة، والسيطرة على أهم طرق التجارة العالمية حينها طريق الحرير وخنق فارس في البحر الأحمر واليمن التي هي محطة بين الهند وآسيا.

كانت بيزنطة وفارس قد وقعتا صلحاً دائماً على عدم الاقتتال وتفرغ الجانبين لمواجهة الصراعات الداخلية وبناء الدولتين، ولم يكن في صالحهما الدخول في صراع في تلك الآونة، وقام كل منهما فيما بعد بما يشبه تحريك الأذرع لهما في المنطقة وقيام حرب بالوكالة دون الصدام المباشر، وهنا بعض إشارة من كاتب النص في القصة إلى ذلك، وليس كلياً، وهي إشارة صائبة بطبيعة الحال، لكن الدافع الديني لدى بيزنطة والحبشة غلب بقية الجوانب وهو أمر غير صحيح؛ فقد كان الجانب الديني ذريعة ظاهرية فقط للتدخل، وهذا ما أشار إليه مؤرخ الإمبراطور البيزنطي "بروكوبيوس" في كتابه "تاريخ الحروب والقصة السرية لمحكمة جستنيان"، وهو مؤرخ فلسطيني قديم من أصل روماني معاصر لتلك الأحداث وللإمبراطور جيستنيان الذي كلف الحبشة بحملة احتلال اليمن وزودها بالسفن المختلفة، وعاش خلال الفترة (500- 560 ميلادية)  كان محامي ومستشار قانوني للإمبراطور جستنيان؛ أي أنه كان معاصراً وشاهداً لكل تلك الأحداث.

ثانياً: أما حادثة الأخدود التي تم استفتاح حلقة سيف بن ذي يزن بها نسلم بها لإيماننا المطلق بالحقيقة القرآنية كونها من عند الله، لكن لا يمكن إسقاطها على نجران وذي نواس الذي يؤمن بالرحمن إله السموات والأرض ثم يحرق حتى الأطفال، باستثناء حادثة حرق كنائس ظفار المذكورة الوحيدة في النقوش!
فكل النقوش التي أوثرت عن ذي نواس التي لم يترك شاردة ولا واردة من حروبه وتحركاته إلا ودونها بالنقوش لم تتطرق البتة إلى الأخدود والإحراق، وبالتالي لا يمكننا القول أنه فعل ذلك هروباً من التجريم، فقد كان يدون كل معاركه بما في ذلك ذكر إحراق كنائس ظفار.
هناك تواصل مستمر بيني وبين أستاذ الآثار والنقوش اليمنية في جامعة صنعاء وقسم الآثار بجامعة حائل، الدكتور محمد الحاج، الذي نقب وشرح كل نقوش نجران تقريباً، ومعه كتاب عن تلك النقوش، وسألته إن كان هناك أية إشارة ولو بكلمة للأخدود المزعوم هناك، أو المحرقة في كل ما مر عليه من النقوش، فأفاد أنه لا توجد أية إشارة أو كلمة لذلك، وهذا يجعلنا نعيد النظر في أن الأخدود كان في نجران على يد يوسف أسأر أثأرن (ذي نواس عند الإخباريين)، وقد يكون من قام بهذا الفعل الإجرامي ملك آخر في موضع آخر من الجزيرة العربية أو الشام! 

ثالثاً: يتورط أي كاتب وسارد للتاريخ، وخاصة القديم، إن اعتمد كلياً على روايات الإخباريين وكتبهم، حتى وإن كانت من كل المؤرخين؛ فالمتأخر منهم يأخذ برواية المتقدم دون تمحيص ولا دليل مادي على ذلك، ومع وجود النقوش التي تعتبر سيدة الأدلة لا بد أن يلم بها الكاتب ويجعلها في المقدمة.

رابعاً: لا بد من تذكير القارئ الكريم أن تدخل الأحباش لم يكن بسبب المحرقة البتة، ولا دافعاً دينياً؛ فقد بدأ تدخلهم في اليمن قبل حادثة المحرقة بأكثر من خمسمائة عام؛ منذ القرن ألأول الميلادي، أو الثاني على بعض الروايات لعمر النقوش، من أيام الملك الحميري الأول علهان نهفان لذي عقد اتفاقية دفاع مشترك مع الحبشة بعد أن نصب نفسه ملكاً على سبأ في مارب، وخاف من تحالف سبأي ضده فلجأ إلى ملك الحبشة بعقد تلك الاتفاقية.
نستطيع أن نقول إنه الممهد الأول للغزو الحبشي وغرسه كمحتل في اليمن، بالضبط كما فعل سيف بن ذيي يزن مع الفرس الذين احتلوا اليمن إلى اليوم!

خامساً: قصة سيف بن ذي يزن مثلها مثل قصة بلقيس؛ لا دليل من نقوش يمنية عليهما ولا تحديد تسميتهما، وحتى الذين اعتمدوا على النقوش في سرد قصة سيف وصل بهم البحث إلى حد السميفع أشوع وأبنائه شرحئيل يعفر ومعدي كرب ودخلوا مباشرة إلى المرويات التاريخية لوجود فجوة لم تكتمل هناك، مما جعل الجميع يعتقد أن سيف أسطورة وليس شخصية حقيقية لولا وجود الروايات القريبة من المعاصرة لبداية التدوين الكتابي العربي على الجلود بعيداً عن تدوين النقوش، والتي أرجح أن الفرس محوا أية إشارة لسيف بن ذي يزن وقيادته التحرير حتى يكونوا هم في الصدارة لما حصل عليه من تآمر على حياته ومملكته؛ وهذا نستشفه من خلال تدوين القصة عند الرواة وخاصة الطبري، حتى أنهم جعلوا من شخصية سيف شخصية ثانوية بجانب قائد الفرس وهرز الذي أعطوه زمام القيادة في الأحداث!

سادساً: سيف بن ذي يزن حتى ذلك التاريخ لم يكن قد ولد بعد؛ لأن تحرير اليمن من الأحباش كان سنة 565م وذو نواس تم قتله في عام 518 في المخاء أثناء معركة التصدي للأحباش كما يذكر نقش السميفع في عبدان بشبوة، وقد تم اغتياله دون سن الخمسين عاماً، وظهر سيف في العمل الدرامي بعمر 15 عاماً؛ أي سيكون عمره عند التحرير 62 عاماً وهو غير صحيح لا يستطيع تحمل المشاق والسفر من اليمن إلى قيصر ثم إلى كسرى، ناهيك أنه تربى على يد أبرهة في قصره بعد تزوج أبرهة بأمه وهو في المهد!
وعليه فإن سيف بن ذي يزن لم يعاصر ذا نواس مطلقاً، فضلاً عن أن يظهر معه في القصة بعمر الفتوة حوالي خمسة عشر عاماً!

سابعاً: البطل الحقيقي في مواجهة الأحباش بعد يوسف أسأر أثأرن (ذي نواس) هو السميفع أشوع والد سيف، الذي خاض غمار المقاومة من الداخل رغم أنه تولى الملك في اليمن نائباً عن النجاشي في الحبشة، ويبدو أنها كان ولاءً صورياً من خلال ما تكشفه الأحداث.

ثامناً: يذكر حوار القصة أبرهة بأنه ابن الصباح، وهو خلط بين أبرهة بن الصباح اليمني وأبرهة زيبمان ريحماس الحبشي أبي أكسوم، مع أن كل النقوش بشأنه تورد وتورد ذكر "حبشت" معه، وهذا يعكس الاعتماد على الإكليل وبقية المرويات عند الإخباريين.

تاسعاً: هذا العمل يجمع بين العمل الدرامي والسرد الروائي التاريخي (الحكواتي) بحسب إمكانية القناة، عل ما أعتقد، وليس لقصور في الرؤية الفنية، ويمكن أن يؤسس لعمل كبير إن تم دعمه مالياً بموازنات كافية والإبداع فيه، والأخذ بكتاب سيناريو محترفين.

عاشراً: ما لم أفهمه هو نقطة الانطلاق من عند امرأة تواجه المؤرخ؛ من تكون المرأة؟ أية رمزية تحملها؟ إلا أن تكون على طريقة الإخراج الفني لأي عمل درامي أو قصص أدبية وهو عنصر الـ"فلاش باك"؛ أي العودة إلى الوراء وليس بناءً تصاعدياً، كنقطة انطلاق تطلق المبرر وشرح العمل على لسان تلك الشخصية لتبدأ رحلة المسلسل من خلال أهمية السرد والتدوين التاريخي، كما هو الحال مع مسلسل صلاح الدين الأيوبي لحاتم علي.

من الظلم والإجحاف أن نقارن هذا العمل بأعمال أخرى متكاملة كما في المسلسلات التركية مثلاً، أو السورية، أو المصرية، أو غيرها، وهي التي يتم إنتاجها بإشراف حكومات الدول وبموازنات ضخمة تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، بل إن منها ما وصل إلى مائة مليون دولار؛ فهي تتطلب إمكانيات هائلة ولذلك تلقى النجاح والغاية المرجوة منها.

نتذكر أنه تم إنتاج مسلسل سيف بن ذي يزن في عام 2003 في اليمن بمليوني دولار تقريباً وفشل فشلاً ذريعاً ولم يعرض منه سوى سبع حلقات فقط لاعتماده على الرواية الأسطورية والعمل الميتافيزيقي وركز على الفنتازيا أكثر من الواقعية ما جعل الشعب غير متعاطف معه ما أدى إلى فشله فشلاً ذريعاً.

حتى الآن الشخصيات اليمنية الرمزية لم يتم تمثيلها درامياً إلا من خلال الشركات المصرية، أو الأردنية، أو السورية، أو حتى الإيرانية؛ كمسلسلات سيف بن ذي يزن، الملكة بلقيس، وغيرها، وهو ما نفتقره محلياً؛ فالتاريخ اليمني بحر طامٍ في هذه الأحداث التي يمكن أن تنتج أعظم المسلسلات التاريخية لو كان هناك توجه للدولة لدعم هذا العمل الذي –برأيي- يمكن أن يحل كل مشاكل اليمن.


Create Account



Log In Your Account