الأحد 21 ديسمبر ,2025 الساعة: 09:02 صباحاً
لم يكن الامتداد الاماراتي في جنوب اليمن تفصيلا عابرا في مشهد الحرب، ولا نتيجة فراغ غير محسوب، بل جاء بوصفه قرارا استراتيجيا مكتمل الاركان.
ففي وقت قصير نسبيا، تمددت اذرع ابو ظبي لتحكم سيطرتها على معظم مناطق الجنوب، من باب المندب غربا حتى المهرة شرقا، مرورا بالساحل الغربي، في مشهد بدا مفاجئا للبعض، لكنه في جوهره نتاج حسابات باردة لا مكان فيها للمصادفة.
هذا التمدد لم يكن معزولا عن الصراع الخليجي غير المعلن. فالامارات، وفق هذا المسار، سعت الى تحجيم اي حضور سعودي مباشر على حدودها الجنوبية، ودفع مناطق النفوذ السعودية الى الانحصار في الشمال، وتحديدا في مارب وتعز، مقابل امساكها الكامل بالمنافذ البحرية وخطوط الملاحة الحيوية. ويمكن قراءة هذا التحرك بوصفه ردا اماراتيا على ادوار سعودية في السودان وارتيريا، حيث ترى ابو ظبي ان الرياض تنافسها على الزعامة الاقليمية، وتسعى الى كبح صعودها كقوة كبرى في المنطقة.
ورغم صحة هذا التوصيف جزئيا، تبقى الحقيقة الثابتة ان السعودية، بحجمها الجغرافي وثقلها السياسي، تظل الدولة المركزية الاكبر في الجزيرة العربية، حتى وان اختارت في بعض الملفات التريث بدل الاندفاع.
عمان… الجار الذي وجد نفسه في كماشة
المقلق في هذا المشهد ان الخطر لم يعد محصورا داخل اليمن وحدوده المباشرة. فسلطنة عمان، التي لطالما انتهجت سياسة الحياد الايجابي، باتت اليوم بين كماشة اماراتية حقيقية. فقد بدا خطاب اعلامي وسياسي موال لابو ظبي، يتنامى في جنوب اليمن والساحل، يروج لفكرة ان محافظة ظفار العمانية كانت يوما ما جزءا من الجنوب العربي.
وهو خطاب لا يثير الدهشة فقط، بل يثير الريبة. فالحركة الانفصالية التي كانت ترفض اي امتداد خارج جغرافيا الجنوب اليمني، باتت فجاة تعيد رسم خرائط خارج اليمن نفسه، في سابقة تكشف ان القضية لم تعد استعادة دولة، بل اعادة
تعريف النفوذ.
هذا التحول الخطير يعيد الى الواجهة تاريخا غير مريح من التوتر بين ابو ظبي ومسقط، خاصة بعد ان اعلنت السلطنة في اكثر من مناسبة عن كشف خلايا تعمل ضد امنها الداخلي، وارتبطت بحسب الرواية العمانية باطراف خارجية.
شيطنة الخصم… تمهيد للصدام
الخطاب الاماراتي في هذا السياق لا يخلو من الذكاء السياسي. فهو يعمل على شيطنة الخصم مسبقا، عبر اتهام عمان بدعم الحوثيين تارة، وباحتضان الاخوان المسلمين تارة اخرى. وهو الخطاب ذاته الذي يتبناه المجلس الانتقالي الجنوبي لتبرير التصعيد الاعلامي، وربما العسكري، ضد كل من يختلف معه.
اليوم، نحن امام رقعة شطرنج سياسية شديدة الخطورة. الصراع لم يعد يدور في العواصم البعيدة، بل وصل الى حدود السعودية، وحدود سلطنة عمان، مع جماعات مسلحة مدعومة اماراتيا تمتلك قدرات تتجاوز قدرات الميليشيات التقليدية: طائرات مسيرة، تقنيات رصد عبر الاقمار الصناعية، وتدريب عالي المستوى لا يتوفر الا للجيوش النظامية.
والاخطر من ذلك، ان الامارات كما اثبتت التجربة خلال السنوات الماضية، حين تتقدم لا تتراجع، وحين تحسم خيارها لا تعرف التردد. وفي معادلات القوة، غالبا ما يكون المتردد هو الضحية، مهما حسنت نواياه.
ما يجري في جنوب اليمن لم يعد شانا يمنيا خالصا، ولا صراع نفوذ محليا، بل جزء من اعادة تشكيل اقليمي صامت، تتداخل فيه الطموحات، وتكسر فيه الحدود النفسية قبل الجغرافية.
واذا استمر هذا المسار دون ضوابط او تفاهمات كبرى، فان المنطقة مقبلة على فتن اوسع، تتجاوز اليمن، وتطال استقرار الجوار نفسه.
وفي السياسة، كما في الحروب، حين تشتعل الاطراف… تحترق الهوامش اولا.