الخميس 29 مارس ,2018 الساعة: 07:11 مساءً
بعضها توهم أن "الحوثية" ليست أكثر من عبور طارئ في وقتنا ،ومن السهل التخلص منها وإعادتها الى الكهوف، بعد أن يُستوفي شرط حضورها، ومن يستخدمها كأداة لتصفية خصومه بأقل الخسائر .
لكننا اكتشفنا وبظرف خمسة اشهر، أنها أستطاعت الإمساك بكل مفاصل السلطة والدولة ومقدراتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية بقبضة حديدية، وأن "الشاصات" المائتين القادمة من صعدة، لم تكن سوى الواجهة لدولة عميقة ،موجودة في مفاصل الحياة العامة، لم تستكن منذ خمسة عقود .
تنتظر مثل هذه اللحظة، وتعمل بصمت و"تقية" في إطار النظام الجمهوري،الذي إكتشفنا أنه مطب هوائي من الوهم . أٌستخدم، بعد افراغه من جوهره "الثوري الإنساني"، كلافتة للقوى الاستبدادية (من عسكر ومشايخ وساسة دينين) للمتاجرة بأحلام الجميع، لإعادة تدوير السلطة ومقدراتها في إطار بنية الحكم التاريخية في الشمال.
وتوهم بعضها الآخر بأن "علي عبدالله صالح" وحده القادر على إدارة اللعبة شمالاً وجنوباً، وتوجيه الصراع بالطريقة التي تفضي إلى تحقيق مصالحه، التي ظل يبني تحالفاته الطويلة لحمايتها، لكنه لم يصمد ليومين، حين أعلن حربه على آخر حلفائه وأقواهم .
تبخر حرسه الجمهوري وأجهزته الأمنية، تبخر موالوه , والسبب أننا صنعنا من الفقاعة بعبعا ًمنفوش الريش، جُرد في عامين من كل أدوات قوته ،وترَك مواليه أسرى لخطاباته العنترية الفارغة.
لم يصدق أن السلطة تسربت من يديه، لحظة إنقسام نظامه إبتداءً من العام 2006، وظل يوهم الجميع بأنه الرجل الأقوى والأوحد، القادر على إرجاع الحوثيين الى جحورهم، فادخلوا جثته الى الثلاجة لأشهر طويلة، ليساوموا عائلته على مخبوءاته و الجزء الأهم من ثروته الطائلة التي راكمها بالحيلة والفساد.
تماماً مثلما توهمت بأن الإصلاح قوة سياسية وعسكرية، قادرة على مجابهة التمدد الحوثي، وأن الوطني، بفعل التسويق الإعلامي الطويل، صار يسبق العقائدي عند أكثر أعضائه، وقادر هذا الوطني على المساهمة في عملية التغيير ضمن مشروع إستعادة الدولة، لكنه لم يكشف إلا عن فقاعه مملؤة بقيح فاسد، آثر سلامة أموال قياداته واستثماراته المتنوعة على المواجهة، في ما كنا نظنه عمقه القبلي والعسكري في عمران وحجة وصنعاء، التي صنع منها في الوعي الشعبي متاريس قوية في وجه الخصوم، لكنه لم يتوان في عسكرة الحلقة القبلية الأضعف، تعز، لتجريدها من خبراتها المدنية، ليعبِر فيها وعنها بفجاجة طائفية وانتهازية، يعرضها للبيع لمن يدفع من أطراف الصراع. ويتقاضى عن ذلك "أثماناً ليست زهيدة فحسب، إنما مسمومة أيضاً". كما يقال
ومن هذه النخب من توهم بأن "مشيخ الجمهورية" في حاشد، وبأطنان الأسلحة والذخائر التي صرفت لهم على مدى أربعة عقود وبآلاف العسكريين والمرافقين ،الذين تصرف لهم مصلحة شئون القبائل ووزارتي الدفاع والداخلية مليارات الريالات كمرتبات وإعانات، يستطيعون إعاقة المشروع الإمامي الجديد ،ومنعه من تجاوز مدينة حوث، غير أننا اكتشفنا أنهم تحولوا في أقل من شهر الى "عسكر براني" من جديد، يعملون مع السيد لإسقاط الجمهورية ليس من مرموزاتها في الحياة ولكن من الوعي نفسه.
غير أن أكثر هذه النخب مستغرقة في وهم أن السعودية في إطلاقها لـ "عاصفة الحزم" لدعم الشرعية، وإنها ء الانقلاب الصالحوثي، تكفر عن خطيئتها التاريخية في اليمن والمتمثلة في إعاقة بناء الدولة خلال خمسة عقود،بدعمها اللا محدود للقوى الدينية والعسكرية والقبلية، فاكتشفنا أننا نلدغ من ذات الجحر مراراً، وأن حربها في اليمن ليس أكثر من غطاء لعملية انتقال السلطة،إلى الحفيد بن سلمان ،وإعادة تقديم نفسها كقوة عسكرية وازنة في المنطقة ،ولو من البوابة المنسية (اليمن ) في ظل تجاذبات وإستقطابات كبرى في المنطقة المهيأة أكثر من أي وقت مضى للتذرر والتفكك.
وهي أقرب الآن ،أي السعودية ـ، لعقد صفقة مع الحوثيين في إطار تسوية تضمن بها حماية حدودها الجنوبية وعدم إستهداف مدنها بالصواريخ، على أن يكون الحوثيون الطرف الأقوى في شمال اليمن بدعم سعودي، على أن يحظى حلفائها التاريخيين " إسلاميين وقبليين وعسكر" بحصصهم، وفق تفاهات مع الإمارات "عاقل الحراك ومستخدمه" ،والتي لا يمكن أن تضحي بها كحليف تاريخي، لمجرد رغبات بعض الأطراف في الداخل في تحجيمها.
أما نخبها الجنوبية على وجه الخصوص، فقد توهمت بأن الإمارات دولة عصرية، ومجيئها الى جنوب اليمن كقوى فاعلة في غطار تحالف دعم الشرعية، إنما لإعادة الإعتبار للدولة والمواطنة، وأن العمل معها واجب يمليه الوفاء لمن ضحى في سبيل إنقاذ شعب من جبروت الكهنوت والإستبداد والتخلف , فاكتشف الجميع ،بإستثناء عنصريي الانتفاع، أنها تعيد إنتاج قوى ظلامية وعنصرية، في جغرافية كانت رمزاً للتسامح والتعدد، لاستخدامها كأذرع ميليشاوية للحفاظ على مصالحها ، وفي مقدمتها تعطيل عمل الموانئ الاستراتيجية، والتحكم بالممر المائي والجزر، و إستخدامها أيضاً كأدوات قمع ضد الصوت الرافض لهذه الهيمنة.
وفي حدود دنيا اشتركت معظم هذه النخب في وهم أن "الشرعية" هي الضرورة التاريخية، المتوجب دعمها كونها الحامل الوطني الجمعي لمشروع إستعادة الدولة وإنهاء الإقلاب، لكننا اكتشفنا أنها ليس أكثر من هلام رجراج، وفي أحسن الأحوال آلة عتيقة تتفن في تدوير نفايات النظام الفاسد كشخوص وفلسفة، وأن ضعفها وهوانها واستلاب قرارها وفساد قاداتها المتأصل، لا يمكن أن يصنع منها سوى كابوساً مضاعفاً في حياة اليمنيين.