الأحد 17 مارس ,2019 الساعة: 10:43 مساءً

صلاح عفيف
كانت الساعة تشير الى الواحدة بعد منتصف الليل عندما استيقض المهندس عزالدين المجاهد فزعا من صوت رنين هاتفه ليجد المتحدث مالك صهريج الماء المتنقل في الحي الذي يسكنه، يخبره أن دوره قد حان للحصول على الماء الذي طلبه قبل اسبوع من ذلك الإتصال.
المجاهد واحد من مئات الآلآف الذين يعانون من أزمة مياه خانقة تضرب تعز المحافظة الواقعة في الجنوب الغربي لليمن ويقطنها اكثر من ٨٠٠ الف نسمة، وتعيش كابوس حربا مدمرة تدخل عامها الخامس.
وعلى مدى الثلاثة عقود الماضية كانت تعز تعد أكثر المحافظات اليمنية معاناة من شح المياه، ومع الحرب تفاقمت الأزمة أكثر مع التوقف التام لإمدادات شبكة المياه الرئيسية للمنازل والخدمات الاخرى كالهرباء.
وكانت الأشهر الأخيرة الأصعب على الإطلاق بالنسبة للسكان، فقد تضاعفة مشكلة شحة مصادر المياه البديلة من الآبار، المنقولة على صهاريج في شاحنات، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وأصبح الكثير من السكان ينتظرون أياما للحصول على صهريج ماء ناهيك عن إرتفاع قيمته ثلاثة أضعاف السعر المعتاد.

فجوة هائلة وارتفاع غير مسبوق بالأسعار
ووفق احصائية حديثة حصل عليها "الحرف 28" من المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي، يبلغ احتياج السكان في مدينة تعز في الظروف الطبيعية 35.000 ألف متر مكعب في اليوم الواحد بينما تنتج الآبار الواقعة داخل المدينة 3000 متر مكعب في اليوم بفجوة هائلة بين الحاجة والمتاح وعجز مخيف.
طوال سنوات الحرب، اعتمدت أحياء المدينة الخاضعة للحكومة الشرعية وحتى تلك الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثيين، على إمدادات المياه بواسطة الصهاريج الجوالة المشتراه من الآبار بشكل رئيسي.
باستثناء الفترة التي اطبقت فيها المليشيا على المدينة في السنة الاولى للحرب، حافظت الأسعار على مستوى ثابت الى حد ما، اذ بلغ سعر الصهريج للمستهلك، سعة 3500 لتر، 4000 ريال يمني، وتراوح بين 5000- الى 6000 ريال يمني للصهريج سعة 6000 لتر، لكن الأسعار اشتعلت لتبلغ مستويات غير مسبوقة مع الأزمة الأخيرة لتتجاوز 15 الف ريال للصهريج الكبير و12 الف للحجم الأصغر.
يقول علي وهو مالك أحد صهاريج الماء لـ"الحرف28" إنه ذهب الى أحد الآبار في الضباب، في الضواحي الغربية للمدينة، بغرض تعبئة صهريجه ومكث منذ فجر اليوم الأول حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وعندما اقترب دوره ولم يعد يفصل بينه وبين أنبوبة الماء سوى ستة صهاريج أغلق مالك البئر المضخة وطلب منهم العودة في اليوم التالي.

وتابع" كنا في السابق نقوم بتعبئة صهاريجنا بدقائق معدودة نذهب ونعود في اليوم أكثر من 10 مرات والآن نبقى يومين في انتظار تعبئة خزان واحد فكيف لاتريدون منا رفع تكلفته ونحن لانعيش إلا عليه ولدينا تكاليف ننفقها في الأكل واحتياجاتنا فترة البقاء قرب البئر في انتظار دورنا".
اتهامات للمؤسسة المحلية وغضب من السكان
وضعت الأزمة مسؤولي المؤسسة المحلية للمياه وكذلك السلطة المحليا في مواجهة غضب السكان وكذلك الكتاب والناشطين.
واتهم الأكاديمي والكاتب د. فيصل الحذيفي مدير مؤسسة المياه، بدر الإبي بماوصفه ممارسة الفشل بإمعان.
وقال الحذيفي في منشور على صفحته بالفيسبوك، ان معظم مشاكل المكاتب التنفيذية بتعز حلت، ومازال الإبي يتذرع بوجود صعوبات، وطالبه بتوصيل المياه لجميع الأحياء في المدينة، وتحدث عن معلومات غير مؤكدة، بحصول المؤسسة على دعم يقدر ب22 مليون دولار.
أما ماهر العبسي الناشط والحقوقي والراصد في اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، فقد طالب في منشور له على "فيسبوك"، "بإقالة ومحاسبة مدير مؤسسة المياة بتعز وجميع المسؤلين عن ما وصفه فساد المؤسسة، واعتبر الأمر "ضرورة لا يمكن السكوت عنها".
وينفي بدر الإبي، من جانبه بشكل قاطع، تلقي مؤسسة المياه التي يديرها أي دعم مالي من أي جهة لإعادة ضخ المياه للمواطنيين، مؤكدا أن" أي منظمة أو فاعل خير أو أي داعم يأتي للدعم مستعدون لإعطائه كافة التسهيلات وصلاحية العمل".
وأضاف في حديث ل" الحرف28" : المؤسسة لم تتلقى الدعم الكافي والمباشر فيما يخص إعادة تأهيل مركز الخدمة وإعادة صيانة الشبكة العامة للمياه وكذلك الصرف الصحي ووسائل نقل ومواصلات.
وكشف عن قيام مؤسسة المياه بحفر عدد من الآبار الخاصة والسطحية والجوفية داخل المدينة وخارجها لمواجهة الأزمة.
الإبي الذي يتعرض لانتقادات واسعة، أوضح أنه بعد أن تم تسليم آبار صينة للمؤسسة" بدأنا الضخ للمناطق المجاورة للمحطة والآبار".
جداول وأنشطة واعادة تأهيل.. لكن الأزمة قائمة
ونشرت المؤسسة جدولا توضح فيه الأحياء التي تقوم بامدادها، بالمياه عبر الشبكة الرئيسية للمدينة، بالتناوب،لكن مواطنين في بعض الأحياء كوادي القاضي نفوا وصول امدادات المؤسسة الى الحي.
يقول المسؤول الاول الذي يلقي عليه البعض باللائمة، إن مؤسسة المياه أعادت ضخ المياه الى المنازل جزئيا للأحياء المجاورة للآبار داخل المدينة منذ 2015م كما أعادت مؤسسة المياه تأهيل مايزيد عن 22 بئر خاصة بالمؤسسة داخل المدينة بالإضافة الى اعادة تأهيل مايزيد عن 15 بئر مسجدية مفتوحة للمواطنيين.
نتيجة لانعدام مخصصات التشغيل، تحصل المؤسسة على الديزل الخاص بمضخات الآبار عبر لجنة خاصة من الصليب الأحمر الدولي" وهي التي تقوم بالتوزيع للآبار ومهمتهم في المؤسسة الرصد ورفع تقرير بذلك" وفقا لمدير المؤسسة..
.jpg)
معالجات طارئة بانتظار الأمطار!
وعن الاجراءات التي اتخذتها المؤسسة بعد الارتفاع الكبير في أسعار الوايتات "صهاريج الماء المتنقلة" قال الإبي إن المؤسسة قامت بناء على توجيهات محافظة المحافظة نبيل شمسان، بفتح نقطة للبيع خاصة بالمؤسسة على أن يتم البيع حسب التسعيرة المُعلنة للتخفيف من الأزمة حتى تسقط الأمطار ويكسر الاحتكار والحصار وفق تعبيره.
وبحسب الابي فإنه سيتم البيع بمحصل مالي وسندات لكل من معسكرات ومواقع الشرطة العسكرية والمستشفيات العسكري والجمهوري وكذلك المواطنين ومقر المحافظة والمساجد التي كانت تمول من الآبار الواقعة تحت سيطرة عادل عبده فارع المكنى بـ" أبو العباس" بحسب الاتفاق وكذلك مواقع عسكرية متقدمة على حساب وزارة الدفاع.
آبار الحوبان استثمار حوثي ودعم دولي
على الجانب الآخر من المدينة وفي العديد من مناطق سيطرة الحوثيين يوجد مايزيد عن 48 بئر في مناطق الحيمة وشعب الريحان والحوبان والحوجلة ووادي جديد وسد العامرة وأسفل الضباب وهي المصدر الرئيسي لإمداد خزانات المدينة بالكميات الأكبر من للمياه.
وحسب مدير مؤسسة المياه بتعز فإن هذه الآبار كانت المتكفل الرئيس بتغذية مدينة تعز على مدار العام عبر مشروع المياه المنزليه.
ويصل انتاج الآبار الواقعة تحت سيطرة الحوثيين في اليوم الواحد مابين 15000--17000 متر مكعب.
وأكد المهندس الابي أن هذه الآبار لو أعادت الضخ الى المدينة لساعدت في التخفيف من الأزمة.
بينما تضرب مليشيا الحوثي حصارا عسكريا على المدينة، منذ بداية الحرب، فإنها تستخدم إمدادات المياه ورقة للحصول على المال من المنظمات الدولية،مقابل وعود بالسماح بإمداد الخزانات الرئيسية بالمياه، غير أنها تردف حصارها العسكري بحصار مائي، ممول دوليا.
يكشف مدير مؤسسة المياه عن تلقي الحوثيين مبالغ هائلة ودعم كبير من الديزل ونفقات لأجل الصيانة وتشغيل المعدات وحوافز مالية ضخمة من المنظمات، لكي تقوم بالسماح بإمداد خزانات المدبنة بالمياه من الآباب الواقعة تحت سيطرتها، لكن مايصل من الماء من تلك الآبار "كميات ضئيله بما يعادل 70 م مكعب، وأن الامدادات تتاح يوم وتنقطع شهورا".
المعاناة مستمرة والأزمة تستفحل
على مقربة من قاعة ماس للأفراح في شارع وادي القاضي بمدينة تعز وقف العشرات من السكان في طابور طويل وبأيديهم جالونات سعة 20 لتر أمام "صهريج" ماء تبرع به فاعل خير لتزويد سكان الحي بعدة لترات من الماء ربما لاتكفيهم لليوم التالي.
يقول عبدالرحمن، وهو من سكان حي وادي القاضي: نتيحة للأزمة والإنتظار الطويل للحصول على وايت ماء"صهريج" مالح بغرض الاستخدام في المنازل اضطررنا الى شراء مياه الشُرب المعالجة لقضاء حاجيات المنزل كحل مؤقت.
واللجوء لهذا "الحل" مكلف للغاية فالجالون سعة 10 ليتر، تبلغ قيمته 200 ريال وغالبية السكان لا يمتلكون النقود الكافية للإنفاق على هذا الخيار الإضطراري.
مع ذلك، يقول عبدالرحمن إن هذا " الحل" أصبح مهددا وبدأت معظم الاحياء تشهد طوابير طويلة للحصول على المياه المعالجة بعد إنعدامها في البقالات.