"محرم " رجل قست عليه الدنيا ، وصارعته ، وجعلت منه رجل محارب حتى حين ، كان بمناسبة وبدون مناسبة يردد ( لقد أشهرت الدنيا أسلحتها في وجهي ) ، لم ينل محرم قدرا ًكافياً من التعليم ، وتزوج في سن مبكر من حياته ، ورزق بأربعة ذكور ،وثلاث إناث ، كان يعمل حارسا ً في أحدى الشركات الخاصة ، ذات يوم طلب منه أحد مدرائه أن ينظف له منزله الجديد ، وبعد إنتهاء الدوام الرسمي ، تناول "محرم "غدائه في عجالة ، وأخذ معه أبنائه " عسل " و"كرم" ، ليساعدوه في التنظيف ، وخلال ساعات كان المنزل غاية في النظافة ، ولاكن بعد ذلك حدث حادث ، عكر صفو العمل الذي أنجزه "محرم" ، عندما قام أحد أبناء المدير بإلقاء عسل بن محرم من أعلى درجات السلم ، فإنكسرت إحدى أسنانه الأمامية ، ولم يقصر المدير مع "محرم" وإبنه ، فقد قام بإسعاف "عسل" الي المستشفى ، وتحمل نفقات علاجه ، التي تضمنت تركيب "سن ذهب" بدل السن الذي إنكسر .
كان مرتب "محرم" لا يلبي إحتياجاته ومتطلبات أسرته الكبيرة ، حتى انه إظطر الي إخارج "عسل " "وكرم " من المدرسة ، ودبرلهما عمل في إحدي ورش إصلاح السيارات ، كان محرم كل يوم ، يمضغ أوراق القات ، في إحدى غرف منزله ، برفقة مجموعة من أصدقائه ومعارفه ، كان ينفق نصف مرتبه في شراء الأوراق الخضراء ، وجزء من النصف الثاني كان ينفقه على شراء السجائر ،والشيشة ، كان هذا هو سبب إخراج "عسل" و"كرم" من المدرسة ، فقد كان ينفق أجرهما على شراء أوراق القات ، والسجائر ، والشيشة ، لقد زاد إستهلاكه للقات ، وزاد عدد رواد مجلسه ، وأصبح يتعاطى الأوراق الخضراء ، ويدخن الشيشة والسجائر حتى وقت متأخر من الليل ، وبدأ يتأخر عن عمله ، ثم بعد مضى فترة وجيزة ، أصبح لايستطيع الإستيقاظ من النوم إلا في وقت الظهر ، فأنذرته الشركة على تأخره وغيابه المتكرر في بادئ الأمر ، ولاكنه لم يكترث لهذا الإنذار ، ثم أصدرت قرارا ً بفصله ، وأصبح بلا عمل ،ولم يبذل اي مجهود في البحث عن عمل آخر لانشغاله الدائم بمجلسه الأخضر العامر بالأصدقاء والدخان والنشوة ، وأعتمد على الأجور الضئيلة التي كان يتقاضاها "عسل" و"كرم" ، والتي كان ينفقهما على جلسات تعاطي الأوراق الخضراء وتدخين السجائر والشيشة ، كان ينام في النهار ، وينشط في الليل كالخفاش .
كان كل ليلة ، بعد أن يبقى وحيدا ً في مجلسه ، بعد رحيل رواده ، يندب حظه العاثر ، ويلعن من أرشده الي طريق التعاطي والتدخين ، ثم كان يصعد الي سطح منزله ، في الهجيع الأخير من الليل ، كانت المدينة نائمة ، تتدثر بدثار الظلام والهدوء والصمت ، إلا من تمتمات "محرم" الغير مفهومة ، التي كان يناجي بها نجيمات آخر الليل ، كان يبث إليها بؤسه وحزنه ، وكانت تشاركه هواجسه وأرقه ، كان عجزه يسبق قدرته ، لم يكن يفهم بصيص النور الذي كانت ترسله اليه تلك النجيمات ، والتي كانت ترغب في أن تعلمه درسا ً في النضال وعدم الإستسلام ، فهي ترسل ضوءها الخافت كل ليلة ، لتقاوم عتمة ظلام الليل ، ولتحارب وطأته ، ولتقاتل سطوته ،وهكذا تفعل كل ليلة ، بلا كلل أو ملل ، ولاكنه كان في عالم آخر ، عالم فيه أبواب الأمل موصدة ، عالم صنعته نشوة الأوراق الخضراء ، وكيف سحب دخان السجائر ، وصخوراليأس والإنهزام ، وعدم الإكتراث ، والإستهتار ، واللامبالاة ، كانت نجيمات آخر الليل كل ليلة ، تحاول أن ترشده ، وتنتشله من مجاهل التيه ، وغياهب سجون الإستسلام ، ولاكنه كان قد أصبح كائن هزيل تسري في عروقه دماء خضراء ، وكائن ضعيف أشهر راية الإنهزام ، وحمل قناعات مسبقة بالإنسحاب ، والقبول بالهزيمة ، والإنكسار .
وذات ليلة خضراء عامرة بأوراق القات الرخيصة ، وسحب دخان السجائر ،والشيشة ، عرض أحد جلساء القات على "محرم " ، أمرا ًسيقيله من عثرته المادية ، وسيمكنه من شراء أوراق القات الباهظة الثمن ، وهو بيع كلية واحدة فقط من كلى أحد أبنائه ، وسهل جليس القات الأمر على "محرم" ، عندما قال له( الإنسان يستطيع أن يعيش حياة طبيعية بكلية واحدة ،فلماذا لاتستفيد من كلى أبنائك ، وكل واحد منهم ،لديه كلية إحتياط ،) ولكى يقطع شك "محرم" باليقين ، قام بإجراء مكالمة هاتفية مع طبيب ، وطلب منه أن يتحدث ل"محرم " ، الذي أكد صدق أقوال جليس القات ، ولم يوافق محرم على عرض جليسه بشكل نهائي إلا عندما أخبره أن سعر الكلية الواحدة " عشرة ألاف دولار أمريكي" ، وفي اليوم المعلوم ، وبدون علم زوجته ، ذهب محرم بإبنه عسل الي المستشفى ليبيع كليته ، ولاكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ،فلقد مات "عسل" أثناء إجراء العملية ، وأصيب "محرم " بجلطة ، حزنا ًعليه ، و بسبب هذه الجلطة فقد القدرة على النطق ، وأصيب بشلل في جانبه الأيمن ، لقد ترك مجلس القات مجبرا ً.
،وفي غرفة وحيدة بثلاثة جدران على سطح منزله قضى أيامه يناجي نجيمات الليل في الهجيع الأخير منه ،ويبث لها حزنه وألمه ، ولاكن مجلسه لم يغلق ، فقد حمل الراية من بعده إبنه "كرم " ، الذي سار على نهجه ، وأقتفى أثره ، وأستمرت الليالي الخضراء تُقام حتى مطلع الفجر ، يملأ ساعاتها سحب أدخنة السجائر والشيشة ، لقد مات "محرم " عندما أخبروه أن نجله "كرم" أُلقي عليه القبض ، بعد أن توصلت التحريات الي قيامه بنبش قبر أخيه "عسل" واستخراج جثته المتعفنة ، وسرقة "السن الذهبي " من بين أسنانه .
*رأي اليوم