الثلاثاء 06 نوفمبر ,2018 الساعة: 03:08 صباحاً
لتعز كبارها من المبدعين والعشاق ... و "هاشم علي عبدالله مولى الدويلة" في مقدمتهم..
جاءها شابا في العشرين من عدن، بعد أن تقطعت به سُبل العيش في حضرموت ، التي وصلها قبل منتصف الخمسينات بقليل من إندونيسيا برفقة اسرته ، وبعد وفاة الأب ترك الدراسة وهو في العاشرة، وحاول أن يقتات من مهنة الحفر على الخشب التي تعلمها من أستاذ حضرمي إسمه الجفري, لكنها ضاقت عليه هي الأخرى، فانتقل مع أخيه الأكبر الى أبين ثم الى عدن، حيث استقر عبدالله الدويلة هناك، وعرف لاحقا كصحافي محترم ، وأختار هاشم تعز مستقرا له في العام 65، و منذ انتقل للعيش فيها، لم يبرحها قط ..
رسم كل تفاصيلها من بشر وحجر... قال لي ذات مرة: تعلمت من تعز كمكان أكثر مما كانت ستعلمني أكاديمية فنون، في أي بلد في الغرب أو الشرق، وفيها دشن معرضه الشخصي الأول في العام 1967.
كنت بين زيارة وأخرى لتعز، أعرج عليه ، فنرتب موعدا صباحيا للتجول، أو مقيلا بمسكنه أو عند أحد أصدقائه وهم كُثر.
نتجول في حواريها القديمة وأسواقها ونأكل في مطاعمها الشعبية، قبل أن يعود بقاته باكرا الى حجرته المتواضعة، جوار مرسمه الصغير، واللذين فُصِلا عن مسكنه العائلي الضيق أصلا.
أما موعد دخوله للمرسم، كان يتم عادة بعد العصر، وهي عادة لا يكسرها سوى مودة جليسه أو زائره أو وجوده خارج المنزل، أما من اعتاد عليهم من زواره الدائمين، فكان يتركهم لإكمال مقيلهم في الحجرة المتواضعة، وهناك في المرسم يبدأ منهمكا لساعات طويلة بتصريف أفكاره الفنية على الأحبار والورق والأقمشة، ذاته المرسم الذي احتشدت فيه أجسادنا ذات ربيع من العام 2000 برفقة الدكتور حاتم الصكر، لاكتشاف عوالمه.
في بيته المستأجر والبسيط، في منتصف عقبة شارع 26 سبتمبر باتجاه النقطة الرابعة وعرضي الجحملية صعودا أو هبوطا باتجاه المدينة، تصالح بشكل عجيب مع ضيق المسكن ومع ضجيج العربات والدراجات النارية، التي ترتفع أصوات ماكيناتها بسبب أحمال صعود العقبة، بل و أعتبر هذا الضجيج جزءًا من تمرين الأذن اليومي على الأذى الجميل.
لم يكن فقط رساما ملهما ورائدا للتشكيل الحديث في اليمن، كما يعده الدارسون والمهتمون، و تتلمذ على يديه عشرات الفنانين المبتدئين الذين صار بعضهم أسماء رائجة داخل اليمن وخارجها، بل كان مفكرا حقيقيا وفيلسوفا نابها يحيط بتاريخ الفنون والحضارات الإنسانية بشكل لافت، وساعده في ذلك اتقانه للإنجليزية التي كان يقرأ بها. انحاز للسرديات والشعر الحديث والموسيقى، فكان لا يتم حديث معرفي معه الا و إستشهاداته الحية من أعمال روائية أو أعمال شعراء وموسيقيين حاضرة على لسانه، لتعزيز أفكاره وما يريد ايصاله لمستمعه.
برغم استطالة تجربته الفنية التي امتدت لقرابة نصف قرن ومنحته شهرة فائقة، لم يركن عليها في الأصل ، ظل حتى آخر أيامه، يجدد في موضوعاته وفي منظوره اللوني، الذي صار أكثر بهاء وفرحا وشاعرية، حتى وهو يرسم قرى الجبل ـ التي سترد إحداها مع هذا الاستذكار العابر بمناسبة مرور أعوام تسعة على رحيله، في 7 نوفمبر 2009.
من الحكاية الشعبية استلهم، ومن السخرية اللاذعة قدم بصريَّاته التي تشبه توجعَّات البسطاء من الناس، ومن الطبيعة استنطق لامرئياتها المحتشدة في اللون..
رسم الأزقة والمساجد وبائعات الفواكه وورَّادي الماء والعتالين والفلاحين وضاربي الطارات من المتصوفة والدراويش ورسم الصيادين ونساء الأرياف ...
رسم القرى والحيوانات. رسم كل ذلك بالزيت والحبر الأسود، ففتحت لوحاته ، بتعدد أسلوبياتها، للدارسين متنفسا قرائيا وتنظيريا سهَّل علي الكثيرين منهم موضعتها في سياقات التأثير المدرسي لتيارات الفن المعاصر، والتي اتصل بها بواسطة القراءة وليس على مقعد الدرس.
من أحجار تعز الملونة أنجز "جدارية الشمس" ، في إحدي منتزهاتها بالقرب من كلية الآداب ، قبل أن يكرِّمه فنانوها ومثقفوها في 2012 ، برسم جدارية له في جولة البريد لمناسبة ذكرى رحيله، وبعدها بقليل انتفض الجميع تضامنا مع هذه الجدارية، التي تعرضت للتشويه من ظلاميين يكرهون الفن ويجرمونه.
رسم ونحت كل شيء له صلة بجمال الإنسان والطبيعة، حتى وهما في أشد بؤسهما، ولا تخلو عشرات من لوحات تلاميذه من رسامي وفناني اليوم من مسحاتها الروحية والجمالية، حتى وهم يحاولون العمل بنصيحته التي تحثهم على البحث عن شخصياتهم الخاصة ، بعيدا عن تأثيراته وتأثيرات غيره.
و لا يخلو مسكن لأحد من أصدقائه القريبين من بروتريها جميلا لشخصه، أهداه إياه هاشم علي ، تعبيرا عن مودة خاصة.
في إحدى جولاتنا الصباحية بالقرب من السوق المركزي في العام 2003 أصر على دخولنا استديو تصوير قريب، وأمر صديقه المصور بالتقاط صورة جانبية لي دون أن يخبرني لماذا !
وفي اليوم التالي أعطاني نسخة من الصورة التي وضعتها في الحقيبة ونسيت أمرها. وبعد شهرين تقريبا فاجأني الصديق القاص الجميل محمد عبد الوكيل جازم بمظروف مغلَّف حمله معه من تعز ومرسل من الأستاذ هاشم... فقد كان بداخله وعلى ورق مقوى خاص بروتريها جميلا لي ... أسعدني أمر أن وجهي رٌسم بريشة العظيم هاشم, وأنه بهذه اللوحة يعمدني صديقا مقرباً، كما قرأ الأمر صديقنا المشترك الراحل البهي محمد عبد الباري الفتيح، الذي كان قريبا جدا من هاشم كصديق، وجمعتنا الثلاثة لقاءات كثيرة، وحشوش مبجَّل.
كان يحب الناس ويحبونه بشكل تلقائي .. يعرف الناس باسمائهم وألقابهم ويمازحهم بتهذب شديد في محلاتهم وخارجها في الشارع والسوق ، قلت له ذات رفقة في شارع التحرير الأعلى: هل يعرفونك كفنان يا أستاذ ؟! قال أظن أن أكثرهم لا يعرفون حتى إسمي ويعرفون شكلي من كثرة مروري اليومي في ذات الشوارع و الأماكن.
في معراج رحيله التاسع، لم تنطفئ شمس هاشم ولم تبهت ألوانه، وستظل باهية مادام أرادها أن تكون نبضاً دافئا للإنسان والمكان.
(****)
وحدها المراثي السمجة هي من تُبهت ِسيَر الباهين من الناس، مثلما تفعل بالملابس الثمينة تلك المساحيق الرديئة.
أليس كذلك ياصديقي؟ّ
لتنم روح المعلم الأول بسلام.
نوفمبر 2018