الجمعة 30 أكتوبر ,2026 الساعة: 05:25 مساءً
وثّقت منظمة سام للحقوق والحريات 222 حالة لأطفال تشير السجلات إلى تجنيدهم ومقتلهم خلال الربع الثالث من عام 2026، ونسبت الحالات إلى جماعة الحوثي، في 16 محافظة يمنية، كاشفةً عن مسارات استقطاب تبدأ من الأسرة والمدرسة والأنشطة المجتمعية، وتنتهي بنقل الأطفال إلى المعسكرات ومواقع القتال.
جاء ذلك في تقرير أصدرته المنظمة بعنوان «من البيت إلى الجبهة»، ضمن العدد الأول من سلسلة «شاهد وأثر: ملفات حقوقية مصغرة»، تناول تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع المسلح، وما يتعرضون له من مخاطر خلال الاستقطاب والتدريب والقتال والاحتجاز، فضلًا عن الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تستمر بعد خروجهم من الجبهات.
وبحسب التقرير، سجلت محافظة ذمار العدد الأكبر بواقع 37 حالة، تلتها صنعاء بـ34 حالة، وحجة بـ33، وصعدة بـ25، وإب بـ24، وعمران بـ21 حالة. وبلغ مجموع الحالات في هذه المحافظات الست 174 حالة، بما يعادل نحو 78.4 بالمائة من إجمالي الحالات المرصودة.
وتوافرت بيانات عمرية لـ147 طفلًا، تراوحت أعمار 69 منهم بين 12 و14 عامًا، فيما تراوحت أعمار 78 طفلًا بين 15 و17 عامًا، بينما تعذر تحديد أعمار 75 طفلًا آخرين.
وأكدت المنظمة أن هذه الأرقام أولية وجزئية، ولا تمثل الحصيلة الكاملة للأطفال المجندين، كونها تقتصر على الحالات التي تشير السجلات إلى مقتل أصحابها، ولا تشمل بالضرورة الأطفال الذين جرى تجنيدهم وما زالوا على قيد الحياة. كما أشارت إلى استمرار عمليات التحقق من أعمار الضحايا وظروف تجنيدهم ومقتلهم.
خمس حالات في قرية واحدة خلال أسابيع
ورصد التقرير خمس حالات لأطفال في قرية المربك بعزلة جبل اللوز، في مديرية الطيال بمحافظة صنعاء، تراوحت أعمارهم بين 13 و15 عامًا، خلال الفترة من مطلع سبتمبر وحتى 16 أكتوبر 2026.
وأفادت المعلومات بأن ثلاثة أطفال أُخذوا من مدرستي قاع الصبلة وخالد بن الوليد، فيما أُخذ طفلان آخران من مقر محلي داخل القرية. وتحدث التقرير عن نقل أحد الأطفال إلى جبهة مأرب، بينما لم تتضح وجهة طفلين آخرين، وأشار إلى أن أحدهما لا يزال مجهول المصير.
واعتبر التقرير أن تركز الحالات في قرية واحدة خلال فترة زمنية قصيرة، وارتباط بعضها بمؤسسات تعليمية، يثير تساؤلات بشأن أدوار المشرفين المحليين والبيئة التعليمية في استقطاب الأطفال، لكنه شدد على أن هذه الحالات لا تمثل عينة إحصائية يمكن تعميمها على مستوى البلاد، وأن تحديد المسؤوليات يتطلب مزيدًا من التحقق.
من الاستقطاب إلى التدريب والقتال
ونقل التقرير إفادات ثلاثة أطفال قالوا إنهم جُنّدوا في سن مبكرة، إلى جانب إفادة رابعة لم يتسنَّ التحقق بصورة كافية من عمر صاحبها وقت التجنيد، فضلًا عن شهادة مختص عمل في برامج تأهيل وإعادة دمج الأطفال بين عامي 2017 و2025.
وتضمنت الإفادات روايات عن استقطاب عبر مشرفين محليين ودروس وأنشطة ثقافية، واستخدام خطاب ديني وسياسي لتشجيع الأطفال على الالتحاق بالمعسكرات، إلى جانب تقديم مبالغ مالية ومساعدات لأسرهم في بعض الحالات.
كما تحدث أحد الأطفال عن اصطحابه إلى معسكر وهو في الثالثة عشرة من عمره، حيث أمضى نحو 55 يومًا تلقى خلالها تدريبات على استخدام البنادق والرماية والتمارين البدنية، إلى جانب محاضرات دينية وسياسية، قبل نقله إلى مواقع أمامية.
وأشارت إفادات أخرى إلى أن بعض الأطفال استُدرجوا بوعود العمل في مواقع خلفية أو أداء مهام محدودة، قبل نقلهم إلى مواقع أكثر تعرضًا لمخاطر المواجهة، بما في ذلك الحراسة والقتال.
ادعاءات بسوء المعاملة وآثار نفسية ممتدة
وتناول التقرير أوضاع أطفال قالوا إنهم وقعوا في الأسر، متضمنًا إفادات عن تعرضهم للضرب والتهديد والإهانة والتصوير، وسوء ظروف الاحتجاز ونقص الغذاء والرعاية الطبية. ودعت المنظمة إلى التحقيق المستقل في هذه الادعاءات، مؤكدة أن مسؤولية الجهة التي جندت الطفل لا تعفي الجهة التي تحتجزه من ضمان سلامته ومعاملته الإنسانية.
كما أورد التقرير ادعاءات بشأن تعرض بعض الأطفال لمواد مجهولة أو مؤثرة في الوعي والسلوك، لكنه أوضح أن المعلومات المتاحة لا تتضمن فحوصًا مخبرية أو سجلات علاجية تثبت طبيعة تلك المواد أو علاقتها بالتغيرات السلوكية الموصوفة، داعيًا إلى إخضاع هذه الادعاءات لفحص طبي متخصص.
ورصد التقرير آثارًا نفسية واجتماعية على الأطفال بعد خروجهم من الجبهات، من بينها الخوف والقلق والكوابيس وصعوبة العودة إلى الحياة الأسرية والتعليمية، مشددًا على أهمية توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وضمان استعادة الأطفال لحقهم في التعليم والحياة الآمنة.
توصيات بوقف التجنيد ومحاسبة المسؤولين
واستعرض التقرير الإطار القانوني الدولي الذي يحظر تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة، داعيًا جماعة الحوثي وسائر الأطراف المسلحة إلى الوقف الفوري لهذه الممارسات، وإنهاء استغلال المدارس والأنشطة الثقافية في استقطاب الأطفال.
كما طالب بالكشف عن الأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة، وتيسير خروجهم الآمن، وضمان معاملتهم الإنسانية في حالات الأسر والاحتجاز، وإتاحة وصول الجهات الإنسانية المختصة إليهم، والتحقيق في ادعاءات سوء المعاملة وتحديد المسؤوليات الفردية وفق الأدلة.
وشددت المنظمة على ضرورة توسيع برامج التأهيل وإعادة الدمج، وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية والتعليمية، والعمل على لمّ شمل الأطفال بأسرهم، ووضع ضمانات تحول دون إعادة تجنيدهم بعد عودتهم إلى مجتمعاتهم.