تعز.. عُدَيْنة العزّ ومدينة الصمود التي لا تعرف الهزيمة
الإثنين 26 أكتوبر ,2026 الساعة: 05:45 مساءً

غنى أيوب طارش وغنينا معه إلا بعضهم
تعز مدينتي نِعمَ المدينة
سقاها الصبح نِسمته ولينه
زهت بجمالها شرقا وغربا
فليس لها من الدنيا طَبِينَة

مدينةٌ حملت اسمها من العزّ، وشيدت تاريخها على الصبر، وأنشأت جمالها من الضوء الذي ينساب على منازلها القديمة كأنه يمسح عنها غبار الزمن في سفح جبل صبر، حيث يلتقي السهل بالجبل، وتلتقي السماء بالأرض في انحناءةٍ هادئة، تقوم مدينةٌ لا تشبه غيرها... وإن كانت بلا مراوح في عيون العدني الوصابي!

يفتتح تلميذنا الشاعر غالب العاطفي قصيدته بنداءٍ هادئٍ عميق، كأنما يدعو القارئ إلى الوقوف لا بجسده فحسب، بل بروحه كلها أمام مدينةٍ لا تُروى حكايتها في سطرٍ واحد:

"قف في تعز.
واقرأ هنالك ما تشاء ولا تشاء من الحكاياتِ التي خطَّ الرجال سطورَها
بدموعِهم
ودمائِهم
وجراحِهم
وكفاحِهم
وسلاحِهم
وحقيقةِ الأوطان في أرواحهم
وعراقةِ الماضي وصدقِ الانتماء"

بهذا النداء الرصين يبدأ الحديث عن تعز، هذه المدينة التي قامت في سفح جبل صبر، حيث يلتقي السهل بالجبل، وتلتقي السماء بالأرض في انحناءةٍ هادئة.

يقف الرحّالة ابن بطوطة أمامها ذات يوم، فرأى فيها "من أحسن مدن اليمن وأعظمها". وكانت عُدَيْنة حيا نابضا، والأسواق عامرة..

يقول غالب العاطفي:

"قف في تعز...
فهناك تبرز لوحة الوطن المخبئ في ظفائر بائعات الورد في أعلى " صَـبِـــر "
وهناك تاريخُ المدينة ليس تُكتب بالمدادِ حروفُـهُ بل بالدماء
وهناك - أعني في "المُظَفَّــرِ" حيث تنتصبُ المآذنُ مثل أعمدة الحدائق في الأساطيرِ القديمة
وهناك يبدو كل شيءٍ ممكنا إلا الهزيمة"

تُحاصر المدينة من جهاتٍ عدة، وتُضرب بالنار، ويُضيَّق عليها الخناق. تُهدم البيوت، وتُقطّع الطرق، ويُراد لها أن تركع. لكن المدينة لم تركع. قاوم الرجال والنساء، وقاوم الأطفال والكهول، وقاوم الشجر والحجر. المرأة التي كانت تبيع الورد صارت تحمل الدواء تحت القصف. والطفل صار يعرف صوت المسيرة. والشيخ يفتح الطريق أو يحمل جريحا. والجبل نفسه شريكٌ في المقاومة... ومشيرة شهيدة القرآن أبكت كل العالم واليمن.

وفي هذا الصمود تتجلى الحقيقة التي صاغها الشاعر:
"لمدينةٍ عجن الإلهُ رجالَها
وجبالَها
ونساءَها
ونسيمَها
وشبابَها
وقبابَها
وصغارَها
وديارَها
من تربة الفردوس لا هذا التراب"

من هذه التربة خرجت المقاومة. في صالة والحوبان والمخا وذوباب والأشرفية، وفي الصلو والأعروق، تتنفس الشوارع والجوامع والمدارس من تحت الحصار:

"حيث الشوارعُ
والجوامعُ
والمجالس
والمدارسُ
والمنابرُ
والمحابرُ
والمطاعمُ
والمعالمُ
لم تزل تتنفسُ الصعداءَ من تحت الحصار"

اصعد إلى حضن القاهرة، فهناك ذكرى الرسوليين الشوافع، وهناك شحنة أزلية من عزةٍ تمتد من جيلٍ إلى جيل. وهناك الرجال مسلحون بعلمهم وصبرهم وثباتهم، شموخهم كشموخ أعناق النخيل.

تعز التي غنّى لها أيوب، والتي كتب لها الفضول، هي اليوم أكثر من مدينة. هي كما يقول غالب العاطفي:

"فهي التي وقفت لتكسرَ حمق ميليشيا الجهالةِ والضلال
وهي البطولةُ
والنضال
وهي العذوبةُ
والبساطةُ
والجمال
وهي الرجولةُ والرجااااااال"

وفي الختام يرتفع النداء الأخير، كأنه عهدٌ ووعد:

"سلِّم على أمي "عُدَينةَ" قائلا:
أمَّــااااااهُ إن الصبحَ آتٍ ، و "السعيدةُ" آتي"

في سفح جبل صبر، لا تزال تعز قائمة. الضوء يندلع من نوافذها المهدمة، والحجر يتكلم، والناس يقولون بصوتٍ واحد: نحن هنا. والصبح آتٍ

اسمك تعز وشهرتك عُدَيْنة

وفي فم التاريخ أحلى مدينة

تشقَّري بالورد والرياحين

وردّدي الأنغام والتلاحين


Create Account



Log In Your Account