رسالة  مبللة بالحب والدموع إلى تعزو أهلي وأصدقائي وأحبائي فيها
الجمعة 23 أكتوبر ,2026 الساعة: 04:26 مساءً

رسالة إلى شوارعها وحاراتها ومساجدها ومسارحها ومكتباتها، لكل تلك الأماكن التي صنعت حياتي من عصيفرة إلى شارع جمال وباب الكبير. إلى باب موسى إلى سوق الصميل. إلى الجحملية وصالة والمسبح وشارع القصر وبير باشا وثعبات وجبل صبر والحوبان
 إلى جامعة تعز والمركز الثقافي وصالة المنترة ومعهد تعز ومدرسة الشعب ومدرسة محمد علي عثمان من مطعم علي مدرة وشاي الشعبي وسوق السمك والسوق المركزي إلى بائعات الخبز والقات. والورد.
 أتحدث باعتباري ابن هذه المدينة التي احتضنتني وربّتني وأعطتني أكثر مما أعطيتها.
 فيها عشت طفولتي ومراهقتي ، وفيها عرفت الحياة والناس والأصدقاء، وتعلمت كيف أختلف مع الآخرين، وكيف أحبهم رغم الاختلاف.
إلى الحبيبة الأولى تعز التي كانت تتسع لكل شيء: للسياسة والغناء، للمسجد والمسرح، للقصيدة والصحيفة.
لقد كتبت عن هذه المدينة كثيرًا، وقلت مرة إنها مدينتي وأنا ابنها بالتبني.
لكنني اليوم، وبعد كل هذه السنوات، أشعر أن هذه العبارة لم تعد تكفي.
فأنا لم أعد ابن تعز بالتبني. أنا ابنها بالذاكرة والعشرة والمحبة والعمر الذي تركته فيها.
وربما لهذا السبب بالذات أجد نفسي اليوم عاجزًا أحيانًا عن التعامل مع أخبارها كما أتعامل مع أخبار بقية المدن.
أنا صحفي، والمفترض أن أحتفظ بمسافة بيني وبين الأحداث، لكن كيف تحتفظ بالمسافة بين رمشك وعينك بين قلبك ودمك بين صوتك وصداه ماذا أفعل حين يكون الخبر عن شارع أعرفه، أو حارة سكنت فيها، أو قرية زرتها، أو صديق ما زال يعيش هناك؟
كيف أتعامل مع خبر سقوط قذيفة في مكان مررت منه مئات المرات؟
وكيف أتحدث عن أسرة فقدت منزلها، وأنا أعرف معنى المنزل في تعز، وأعرف كيف عاش الناس فيها، وكيف تعبوا حتى بنوا بيوتهم وربّوا أبناءهم؟
صدقوني، ليست المسألة سهلة.
في هذه الحرب، وأنا أتابع ما يحدث في تعز، تعود إليّ الوجوه قبل المواقع، والأصدقاء قبل المعارك ، والذكريات قبل الأخبار.
حين أسمع عن عصيفرة أرى سنوات عمري.
وحين أسمع عن صالة والجحملية والضباب وجبل صبر، لا أرى مجرد أسماء على الخريطة، بل أرى حياتي كاملة عشتها، وأشخاصًا أحببتهم، وأحلامًا لاتنتهي.
وأكثر مايؤلم أن أبنائنا لم يعرفوا تعز التي عرفت.
لم يعرفوا تلك المدينة التي كانت تضج بالمهرجانات والأمسيات الثقافية والمسرح والشعر والغناء، ولا ذلك الشعور أننا سنصبح ما نريد.
لقد أخذت الحرب من هذه المدينة سنوات طويلة، وأخذت من أطفالها وشبابها أشياء لا يستطيع أحد تعويضها.
أعرف أيضًا أن الكلمات لا تطعم جائعًا، ولا تبني بيتًا، ولا تداوي جريحًا، ولا تعيد أبًا إلى أطفاله أو طفلًا إلى أمه.
أحس كل يوم. بأني خائف على الناس في تعز
خائف على الأطفال الذين ينامون على أصوات الانفجارات، وعلى الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، وعلى الآباء الذين لا يعرفون شكل الغد كيف سيكون .
تعز ليست حزبًا، وليست جماعة، ولا مجرد جبهة عسكرية .
تعز هي الناس.
هي المرأة والمعلم والطبيب، والطفل والبائع والفنان والعامل .
ترى من سيبقى من أصدقائنا؟ ومن سيعود إلى بيته؟ وكم من الأحلام يمكن أن نستعيدها؟
بعيدا عن الحرب أريد أن أرى تعز كما عرفتها أول مرة: مدينة الحلم والحب والجمال .
جزء كبير مني ما زال هناك.
في الإماكن وفي وجوه أصدقائي، وفي تلك السنوات التي ظننت أنها مضت، فإذا بها تعود إليّ كلما سمعت اسم تعز.
أحب تعز دون شروط،وأتمنى أن يأتي يوم أعود فيه، لا لأغطي حربًا ولا لأروي مأساة.
وأن تكون تعز قد استعادت شيئًا من روحها، واستعاد أهلها حقهم في الحياة.
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، ستظل الحالمةالذاكرة والقلب .

*من صفحة الكاتب على فيسبوك 


Create Account



Log In Your Account