الخميس 08 أكتوبر ,2026 الساعة: 02:38 مساءً
اظن أنى كنت في الخامسة لا الرابعة عندما، كنت أظن، مثل كثير من الأطفال الذين تأخذهم اللغة إلى حيث لا يقصد الكبار، أن القُمْريْ هو القمر نفسه، لكن بحجم أصغر قليلا. كان الأمر يبدو منطقيا تماما: قمر، قُمْريْ؛ شمس، شمسي؛ نجم نجمي فلماذا لا يكون القُمْريْ قمرا صغيرا يمشي على قدمين، أو يطير في السماء إذا اقتضت الضرورة الشعرية؟
ولذلك كنت أستمع في أعراس عدن إلى الأغنية الشهيرة فيما يشبه طقوس العبور:
قُمْريْ شل بنتنا
قُمْريْ شلها وراح
وأنتظر، في خيالي الطفولي، أن يظهر ذلك الكائن القُمْريْ الذي لا بد أن يكون شديد الوسامة، أبيض الوجه، مكتمل الاستدارة، وربما يلمع قليلا من شدة النور. كنت أظن أن(القُمْريْ) وصفٌ للعريس، لا اسمٌ لطائر.
ولهذا كنت أصاب بشيء من الغم الشخصي كلما رأيت الزفة العدنية، ثم اكتشفت أن العريس، مع كامل الاحترام له ولأهله، لا يشبه القمر في شيء. كنت أعود إلى البيت وفي داخلي اعتراض جمالي صامت: كيف تقول النساء:
(قُمْريْ شل بنتنا)
ثم يخرج لنا هذا الرجل؟ أين القمر إذن؟ ومن الذي ارتكب هذه الخيانة الشعرية؟ هل يسخرون (بالمقلوب) غش وخداع وجودي
ولم يخطر ببالي آنذاك أن القُمْريْ طائر حقيقي، وأن المسألة كلها لا علاقة لها بدرجة وسامة العريس، ولا باكتمال القمر، ولا حتى بقدرة أهل العروس على اختيار عريس (قُمْريْ) بالمعنى الذي كنت أفهمه.
كبرتُ، وكبرت معي الحكاية، واكتشفت أن القُمْريْ ليس قمرا صغيرا، وإنما طائر له حضوره القديم في المخيلة العربية واليمنية، وأن صوته كان قادرا على أن يدخل إلى الأغنية من باب الشجن كما يدخل من باب الفرح. لكن المفاجأة الأجمل أنني اكتشفت أن سوء فهمي الطفولي لم يكن بعيدا تماما عن الحقيقة الشعرية.
فالشاعر حين يقول (قُمْريْ) لا يتحدث عن الطائر بوصفه طائرا فقط. هناك دائما ظلٌّ من القمر والجمال والضياء في اللفظة وفي المخيلة التي تستقبلها. الطائر نفسه صار في الشعر مرآة للعاشق، وصوته صار صوتا للشوق، ووجوده على غصن البان صار مشهدا مكتمل الجمال.
ومن هنا ربما كان الطفل الذي في داخلي على خطأ من الناحية المعجمية، لكنه لم يكن مخطئا تماما من الناحية الشعرية.
فالقُمْريْ في الأغنية اليمنية طائرٌ يحمل شيئا من القمر في اسمه، ويحمل شيئا من الإنسان في صوته.
وحين سمعت لاحقا:
قُمْريْ
قُمْريْ شلها وراح
أعدتُ ترتيب المشهد كله في رأسي. لم يكن العريس هو القُمْريْ لأن وجهه مستدير أو لأنه يضيء في العتمة، وإنما لأن الأغنية الشعبية احتاجت إلى طائرٍ يستطيع أن يقوم بما لا يستطيع العريس أن يفعله شعريا: أن يأخذ البنت من بيت أهلها ويطير بها إلى بيت آخر.
وهنا تصبح العبارة، التي بدت لي في طفولتي لغزا جماليا، صورة اجتماعية بالغة الدقة:
قُمْريْ شل بنتنا
فالقُمْريْ في هذه الأغنية ليس طائر حقيقي؛ إنه العريس وقد تحول إلى صورة شعرية. والبنت لا (تُسلَّم) إلى رجل غريب، بل يحملها قُمْريْ عاشق، ويأخذها ويرحل. وبين (شلها) و(راح) تختصر الأغنية واحدة من أقدم التجارب الإنسانية: فرحٌ بولادة حياة جديدة، وحزنٌ صغير على حياة قديمة تغادر البيت.
وهكذا اكتشفت، بعد سنوات، أن المشكلة لم تكن في العريس الذي لم يكن وسيما بما يكفي ليكون قمرا، وإنما في أنني كنت أطلب من الاستعارة الشعرية أن تلتزم بالمواصفات الحرفية.
وكان ذلك، على أي حال، ظلما كبيرا للعريس.
يتبع (أغنية قُمْريْ صنعاء) لعلي الآنسي 1966 وبعدها السياسي!
يا قمري صنعاء مالك لا تزعل ريّح بالك
الدنيا حقك ملكك حتى قلبي مملوك لك
من غيّر طبعك عني… من حوّل قلبك مني
هذا خاين وحياتك