كيف ضخمت مليشيا الحوثي رواية «التقدم» في تعز؟ وما الذي حدث فعليا على الأرض؟
السبت 03 أكتوبر ,2026 الساعة: 11:34 صباحاً

كثفت مليشيا الحوثي المصنفة جماعة إرهابية وحسابات ووسائل إعلام موالية لها، منذ بدء الهجوم الواسع على جبهات محافظة تعز مساء الأربعاء، من نشر روايات تتحدث عن سقوط مناطق وانهيار القوات الحكومية ووصول عناصرها إلى مناطق جديدة، إلا أن مراجعة المعلومات المتداولة أظهرت أن جزءا من هذه الروايات خلط بين مواقع كانت خاضعة للحوثيين أصلا، واختراقات مؤقتة خلال المعارك، ومقاطع قديمة وحسابات منتحلة وأخبار غير مثبتة. 

وبحسب تحقق نشره الصحفي أحمد الشلفي، فإن المعارك التي شهدتها تعز كانت واسعة وحقيقية، وشملت هجمات ومحاولات تسلل حوثية في عدد من الجبهات، لكن حجم التقدم الذي روجت له المنصات الحوثية لم تؤكده المعطيات الميدانية المتاحة حتى ظهر الجمعة. 

وفي مديرية مقبنة غربي تعز، جرى تداول الحديث عن «دخول الحوثيين» باعتباره تطورا جديدا، بينما كانت المديرية قبل الهجوم منطقة سيطرة متداخلة، إذ تسيطر مليشيا الحوثي على أجزاء واسعة من شمالها وشمال شرقها، في حين تتمركز القوات الحكومية في أجزاء أخرى جنوبا وغربا، وكانت جبهة حمير ومواقع أخرى فيها خطوط تماس قبل الجولة الأخيرة. 

وشهدت جبهات مقبنة والكدحة وجبل حبشي خلال سبتمبر تحركات وتبادلا محدودا للسيطرة على بعض المرتفعات والمواقع، ما يجعل تحديد أي تقدم جديد بحاجة إلى معرفة الموقع الذي تغيرت السيطرة عليه، والجهة التي كانت تسيطر عليه قبل الهجوم، وما إذا كانت القوات المهاجمة احتفظت به بعد انتهاء الاشتباكات. 

وفي مديرية سامع، أفادت المعلومات المتداولة بأن مليشيا الحوثي دفعت بتعزيزات من اتجاه دمنة خدير وحاولت التقدم باتجاه جبل سامع وعزلة شريع، حيث اندلعت مواجهات مع أبناء المنطقة والقوات الحكومية. وأعلنت مصادر حكومية ومحلية إحباط التقدم، فيما لم تظهر معلومات موثوقة تثبت حدوث تغيير مستقر في خريطة السيطرة داخل المديرية. 

أما بني بكاري في مديرية جبل حبشي، فقد شهدت بالفعل مواجهات عنيفة، ودخلت عناصر حوثية بصورة محدودة إلى قرية أو قريتين خلال الاشتباكات قبل أن تتراجع، فيما واصلت القوات الحكومية عملياتها ضد مواقع وتحركات المليشيا في المنطقة صباح الجمعة. وتختلف هذه الوقائع عن تثبيت سيطرة جديدة على مساحة واسعة، وهو ما لم تؤكده مصادر مستقلة. 

وفي هيجة العبد، جرى تضخيم واقعة تسلل حوثي إلى نجد البرد أسفل الطريق، حيث أقدمت العناصر المتسللة على تفجير عبّارة رئيسية، قبل أن تعلن مصادر محلية وعسكرية ضبط العناصر وتأمين المنطقة. ولا تشير هذه الواقعة إلى سيطرة مليشيا الحوثي على طريق هيجة العبد، وإنما إلى عملية تسلل استهدفت منشأة في الطريق. 

وتوسعت الرواية الحوثية لاحقا إلى الحديث عن انهيار القوات الحكومية وانسحابها من التربة والشمايتين وسامع وهيجة العبد، وصولا إلى دخول مدينة تعز، دون ظهور أدلة موثوقة تؤكد هذه الرواية. وفي المقابل، استمرت المواجهات على خطوط التماس في عدد من الجبهات، بما لا يتوافق مع تصوير الوضع على أنه انهيار شامل للجبهات الحكومية. 

ومن بين المواد المضللة التي جرى تداولها، مقطع فيديو لعربات عسكرية قيل إنه يوثق دخول قوات حوثية إلى مدينة التربة. وأظهر التحقق أن الفيديو يعود إلى 16 سبتمبر، وأن العربات كانت تابعة للقوات الحكومية ومتجهة من عدن ضمن تعزيزات عسكرية، وليس رتلا حوثيا يدخل التربة. 

كما أعيد نشر مقاطع قديمة لأرتال عسكرية على أنها توثق انسحاب ألوية العمالقة وقبائل الصبيحة من جبهات تعز ولحج. وتبين أن أحد المقاطع يعود إلى عام 2021، فيما يعود الآخر إلى فبراير 2026، ولا يوثق أي منهما انسحابا حديثا من جبهات تعز. 

وشملت حملة التضليل كذلك مزاعم عن انشقاقات داخل ألوية العمالقة وتسليم إحدى وحداتها أسلحتها لمليشيا الحوثي، وهي رواية لم يثبت صحتها، واستخدمت في الترويج لها مواد مصورة قديمة وخارج سياقها. 

كما تداولت حسابات منشورا من حساب منتحل باسم مجلس القيادة الرئاسي، زعم وجود اتفاق على «تسليم تعز سلميا» لمليشيا الحوثي. وأظهر التحقق أن المنشور لم يصدر عن القنوات الرسمية، بينما كان الموقف المنشور للرئاسة في اليوم نفسه يتناول مواجهة الهجمات الحوثية. 

وفي السياق نفسه، نُسب إلى قائد جبهة تعز يوسف الشراجي منشور يتهم قبائل الصبيحة بـ«الخيانة»، قبل أن يتبين أن الحساب الذي نشره منتحل، فيما كان الشراجي قد نفى امتلاكه حسابا على منصة «إكس». 

وتداولت منصات أخرى رواية عن اتفاق بين حزب الإصلاح ومليشيا الحوثي لتحييد مديريات في ريف تعز، إلا أن عملية التحقق صنفت الرواية على أنها مضللة ولم تقدم أدلة تثبت وجود الاتفاق المزعوم. 

ونقل «يمن ديلي نيوز» عن الصحفي المتخصص في مكافحة الشائعات طه صالح أن الرصد يشير إلى وجود نمط منسق في انتشار بعض الروايات، تبدأ فيه المعلومات من حسابات وصفحات مرتبطة بالحوثيين ثم يعاد تداولها على نطاق واسع من حسابات أخرى. لكن هذا التفسير، بحسب المادة، لا يمثل دليلا مستقلا على ارتباط كل حساب على حدة بالمليشيا. 

وفي المقابل، تؤكد المعطيات المتاحة أن الهجوم الحوثي على تعز كان واسعا، وشمل هجمات ومحاولات تسلل في حمير وبني بكاري وسامع والأقروض والكدحة ومناطق أخرى، بالتزامن مع عمليات عسكرية وغارات نفذتها القوات الحكومية. 

وأعلنت القوات الحكومية، الجمعة، استعادة دار الراحة في بني عمر والتقدم باتجاه شعب الدراهم، بما يعكس طبيعة القتال المتحرك في بعض جبهات تعز، حيث تتغير السيطرة على مواقع محدودة خلال الاشتباكات ولا تعني بالضرورة تثبيت مكاسب ميدانية دائمة. 

وتشير خلاصة المعطيات المتاحة إلى وقوع هجمات وتسللات واختراقات حوثية محدودة بالفعل، لكن الرواية التي روجت لها المنصات الحوثية وسعت نطاق تلك التحركات، وقدمت مواقع كانت المليشيا تسيطر عليها مسبقا باعتبارها مكاسب جديدة، وحولت عمليات تسلل مؤقتة إلى «سيطرة»، إلى جانب استخدام مقاطع قديمة وحسابات منتحلة وروايات غير مثبتة لتعزيز الانطباع بانهيار جبهات تعز. 

وعليه، فإن الوقائع المتاحة حتى ظهر الجمعة لا تثبت حدوث تحول استراتيجي شامل في خريطة السيطرة بمحافظة تعز، رغم استمرار المعارك واتساع نطاق الهجمات الحوثية وخطورتها.



Create Account



Log In Your Account