الثلاثاء 25 أُغسطس ,2026 الساعة: 03:30 مساءً
المدخل: سؤالٌ لم أمتلك خيار الفرار منه
لم أكن يوماً سياسياً، ولا حزبياً، ولا ينبغي لي أن أكون. فطبيعة شغفي واهتماماتي تنأى بي بعيداً عن صراعات الأحزاب وأروقة السلطة. لكن في بعض اللحظات، يُحاصرك السؤال وتُفرض عليك الإجابة فرَضاً، حتى وإن كنت تدرك سلفاً أن انطباعك لن يُرضي السائلين.
كان السؤال عن شخصية مثيرة للجدل الرئيس السابق علي عبدالله صالح (رحمه الله). حاولتُ التهكّم والتهرّب، لكن لم يكن هناك بدٌّ من الإفصاح. فلخصتُ انطباعي حينها بعبارة مختصرة مكثّفة بين قوسين:
«رجلٌ توفّرت له كل الظروف والمواتاة ليكون كبيراً... فأبى إلا أن يكون صغيراً!»
أثارت هذه العبارة استهجان السائلين ومطالبتهم بمبررات، ولم تكن المبررات سوى قراءة متأنية وموجعة لما تسببت فيه ثلاثة عقود ونيف من سوء الإدارة والانتهازية السياسية.
المحطات والتحولات: كيف أُهدرت الفرص الذهبية؟
إن المتأمل في تاريخ اليمن الحديث يدرك أن هذا الرجل لم يُظلم في الفرص، بل إن التاريخ منح الاستثناء ما لم يمنحه لغيره، غير أن الخلل المنهجي في الأداء كان يُجهض كل تحول استراتيجي:
إعادة تحقيق الوحدة المباركة (1990):
كانت لحظة تاريخية فارقة، التف حولها الشارع العربي واليمني، وكان بإمكانها أن تكون حجر الزاوية لبناء دولة مؤسسات حديثة وتنمية شاملة. لكن سرعان ما حُوّلت الوحدة من مشروع وطن إلى مشروع غنيمة وإلحاق.
حرب صيف (1994) وما بعدها:
بدلاً من ترميم النسيج الوطني وتقديم نموذج احتواء إنساني ومؤسسي، ساد منطق "المنتصر" وتكريس مراكز النفوذ، مما زرع بذور التباعد وجرّ البلاد إلى أزمات مستدامة.
انتخابات 2006 الرئاسية:
كانت فرصة تكتيكية ونادرة للتأسيس للتداول السلمي للسلطة ونقل اليمن إلى مرحلة الديمقراطية الحقيقية، لكنها استُخدمت فقط لإعادة إنتاج الشرعية الفردية، وتأجيل الاستحقاقات الوطنية لصالح توريث السلطة وتثبيت الأركان.
المبادرة الخليجية وتسليم السلطة (2011 - 2012):
بعد انتفاضة الشباب، كُتبت له "نجاة تاريخية" ونادرة عبر اتفاق الرياض/المبادرة الخليجية، ومنح حصانة قانونية ومخرجاً آمناً لم يحصل عليه أي رئيس عربي في ثورات الربيع العربي. لو أنه أصلح نيته وتوارى عن المشهد، وبارك إجراءات نقل السلطة، للُقّب بـ "بطل السلام القومي"، ولربما ترشح وحصل على جائزة نوبل للسلام، ولتحوّل إلى مرجعية سياسية وحكيمة على المستوى المحلي والدولي.
التحالفات الانتقامية وما بعد 2014:
أبت الأنانية وحب الاستحواذ إلا أن تسود؛ فترك العمل السياسي السلمي ولجأ للتحريض والتآمر والدخول في تحالفات شاذة مع خصوم الأمس للتنكيل بالبلد وتقويض الدولة، مما فتح أبواب جهنم على اليمن، وقاد إلى نتائج كارثية لا تزال البلاد تكتوي بنارها حتى اليوم.
الجريمة الكبرى: تجريف قيم الأجيال وسوء الإدارة
إن إخفاق العقود الثلاثة لم يقتصر على فشل مشاريع البنية التحتية أو انهيار الاقتصاد، بل امتد إلى التخريب الممنهج لمنظومة القيم الممتدة عبر أجيال متتالية:
إدارة البلاد بالأزمات: بدل بناء "الدولة"، تم اعتماد سياسة "الرقص على رؤوس الثعابين"، كما كان يسميها وإشعال الحروب الصغيرة وتهدئتها لإشغال المجتمع عن حقوقه الرئيسية.
تجريف قيم العمل والكفاءة: استبدال مفهوم "الكفاءة والمواطنة" بمفاهيم "الولاء والوساطة والمحسوبية"، مما أدى إلى تفريغ المؤسسات التعليمية والأمنية والمدنية من مضمونها.
المخزون الاستراتيجي للفساد وتوريث العبث: لم يكتفِ النظام بتعطيل المؤسسات في حينه، بل عمل على بناء "مخزون استراتيجي" متكامل من شبكات الفساد والولاءات الملتوية، وهو مخزونٌ لا نزال نلمس آثاره ونكتوي بناره حتى اليوم. لقد أسس لبنية تحتية للفساد تتوارثها الأجيال، ليضمن ألا تُدار الدولة بعده إلا بأدواته، وأن تظل المؤسسات مرهونةً بعقولٍ وتطبيقاتٍ أُنتجت في معمله الخاص.
ضرب الثقة بالنفس والوطن: نشأت أجيالٌ متعاقبة وهي ترى أن الوصول للحقوق لا يتم إلا عبر الفساد والالتفاف على القانون، مما أضعف الانتماء الوطني وجعل مستقبل البلد رهينة لربط المصير بشخص واحد.
ختاماً: الثمن الذي يدفعه اليمنيون حتى اليوم
لقد أثبتت الأيام أن النتيجة الكارثية التي وصلت إليها اليمن اليوم ليست محض مصادفة، بل هي الشجرة التي غُرست بذورها بعناية طوال فترة حكمه.
رحل الرجل، لكن آثاره وسياساته لا تزال هي المحرك الرئيسي للأزمات الممتدة. لقد حظي برصيد هائل من الفرص، وحب شعبٍ صبور، وظروفٍ إقليمية ودولية لم تتوفر لغيره... لكنه آثر ذاته على وطنه، وجعل اليمن برمتها تدفع ثمن هذا الخيار حتى اليوم.
إن كان التاريخ يحاكم الحكام بآثار أفعالهم في الدنيا، فإن عدالة السماء تنتظرهم بما اقترفت أيديهم بحق الشعوب يوم لا ينفع مال ولا بنون.. وهناك فقط تُردّ المظالم إلى أصحابها.