"فخ ثوسيديدس" من أثينا إلى صنعاء:   حين يصبح سوء التقدير وقود الحرب
الأحد 09 أُغسطس ,2026 الساعة: 10:42 مساءً

في القرن الخامس قبل الميلاد، تحديدا في عام (431)، كانت إسبارطة قوة عظمى رأت في أثينا قوة صاعدة تمثل مصدر تهديد لمكانتها، وهو ما أدى لاندلاع حرب دموية بين القوتين عرفت بـ"البيلوبونيسية". وقد قام المؤرخ "ثوسيديدس" بتدوين سيرة هذه الحرب، التي عاصرها، ليسجل من سياقها لحظة تاريخية فارقة، مستخلصا منها أن خوف القوة المهيمنة من صعود القوة النامية، يمثل الشرارة التي تشعل الصراع. ومن هذه الثنائية - صعود المنافس الجديد وخوف القوي المهيمن - استلهم غراهام أليسون: عالم السياسة والمؤرخ الأمريكي، مفهوم "فخ ثوسيديدس"، الذي يصف فيه قابلية القوى الصاعدة لجر القوى المهيمنة إلى حرب لا يمكن التحكم بنتائجها. وهنا يحق التساؤل: هل يبقى "فخ ثوسيديدس" حبيس علاقة القوتين المتكافئتين، أم يمتد منطقه إلى حيث يبدو التفاوت في القوة واضحا، فتتحول قوة محلية صغيرة، بفعل تراكم سوء التقدير لا بفعل وزنها الذاتي، إلى طرف فاعل في معادلة التنافس الدولي؟

السياق الذي ألف فيه غراهام أليسون كتابه "حرب لا مفر منها" (2017)، هو دراسة النزاع بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الصين. وأهمية الكتاب ليس في عنوانه، بل في قدرة مؤلفه على توظيف فرضية تاريخية قديمة في سياق شديد الحداثة في دلالاته. فليست الفكرة أن الحرب حتمية بل إن التاريخ يكثر فيه نمط "فخ ثوسيديدس". ومن هنا لا يكتب أليسون عن الصين وأمريكا فقط، بل عن قانون أعمق يحكم علاقة القوى الكبرى عبر القرون. فقيمة الكتاب لا تقتصر على تفسير التنافس الأمريكي-الصيني، بل تمتد إلى اختبار منطق إدارة الصراعات في مناطق أخرى، حتى عندما تختلف أطرافها وسياقاتها. فالمهم ليس تشابه اللاعبين، بل تشابه الآليات التي تحول التهديدات المحدودة إلى أزمات استراتيجية.

قانون الخوف والصعود

فكرة الكتاب المركزية تقوم على منهج تاريخي تحليلي صارم يقارن بين حالات متعددة (16 حالة تاريخية 12 منها انتهت بحرب). أبرزها بريطانيا وألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، والولايات المتحدة وبريطانيا نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكلها استخدمت في سياق دراسة التنافس الصيني الأمريكي، كحرب محتملة يمكن تجنبها إذا تم فهم "فخ ثوسيديدس" جيدا. فالحرب، بنظر أليسون، ليست قدرا محتوما، إذا اعتمدت سياسات الدبلوماسية والردع وفهم الحسابات بشكل استراتيجي.

نجح المؤلف من خلال كتابه في تحويل التاريخ إلى أداة إنذار استراتيجي. ومن يقرأ الكتاب بعمق يجده أقرب إلى خريطة تحذير منه إلى رواية تاريخية، فالمؤلف لم يكتف بالسرد التاريخي الماضوي بل حرص على استخراج ما يمكن أن يمنع تكراره في الحاضر. فالتوتر البنيوي بين الطموح والخوف هو ما يدفع الدول أحيانا للانخراط في الحرب، حتى وهي لا تكون راغبة بذلك. ولذا فإن أليسون يرى أن أي حرب لا تبدأ من عدوان مباشر بل كثيرا ما تنشأ نتيجة تراكم سوء التقدير والتخوفات والقراءة الخاطئة لنوايا الطرف الآخر. وسوء التقدير هنا لا يعني الخطأ في قراءة القدرات العسكرية فحسب، بل أيضًا سوء فهم نوايا الخصم، أو التقليل من قابليته للنمو، أو تأجيل التعامل معه حتى يصبح أكثر كلفة.

أهمية هذا الكتاب تكمن في أن سؤال أليسون لا يزال مفتوحا بلا إجابة: هل نحن أمام منافسة طويلة قابلة للضبط، أم أمام مسار قد يقود إلى حرب كبرى؟ خصوصا وأن مفهوم "فخ ثوسيديدس" الذي صاغه المؤلف، صار جزءا من اللغة السياسية الحديثة، واستحضره الرئيس الصيني شي جين بينغ في خطاباته الدبلوماسية. ومع ذلك القراءة النقدية للكتاب تقتضي أن لا نحوله إلى "نبوءة مغلقة": فالمؤلف نفسه لا يؤمن بحتمية الحرب، بل بخطورة تجاهل نماذجها التاريخية، والكتاب يضع السياسة الدولية أمام مرآة التاريخ، حيث يذكر صناعها بأن أخطر الحروب هي تلك التي تنشأ من سوء التقدير والخوف، ولا تعالج مسبباتها في وقتها. وإذا كان أليسون قد صاغ فكرته انطلاقًا من تنافس القوى الكبرى، فإن قيمتها التحليلية لا تكمن في حدود المثال الذي انطلقت منه، بل في قدرتها على تفسير كيف تنتقل الأزمات من مستوى يمكن احتواؤه إلى مستوى يصعب التحكم فيه.

 من بكين إلى صنعاء: الفخ نفسه 

ومن هذا المنظور، فالحرب التي اندلعت بين إيران والولايات المتحدة (2026)، والتي لم تُطوَ صفحتها بعد، يمكن قراءتها في سياق الفكرة المركزية لكتاب أليسون. فهي في بعدها المستقبلي قد تصبح، إذا تداخلت مع مسارات التنافس الدولي، جزءامن بيئة استراتيجية أكثر تعقيدا في العلاقة بين واشنطن وبكين، لكنها في الوقت نفسه تمثل دليلا على التحولات البنيوية في موازين القوى العالمية، ففي العلاقات الدولية، غالبا ما يؤدي صعود قوى جديدة، أو اتساع نفوذ قوى إقليمية، إلى خلق حالة من القلق لدى القوة المهيمنة، ويخلق سباق تسلح، وتشكيل تحالفات جديدة، وتصاعد الشكوك المتبادلة، ولا يعني ذلك أن الصراع الأمريكي الإيراني يمثل تطبيقا مباشرا لفخ "ثوسيديدس"، وإنما يكشف كيف يمكن لسوء إدارة التنافس وتراكم الحسابات الخاطئة أن يدفع أطرافا مختلفة إلى مواجهة لم تكن هدفا معلنا لأي منها. لذلك فإن ضبط هذا التنافس، وبناء قنوات اتصال، وفهم مصالح الطرف الآخر، تمثل عناصر أساسية لتجنب الانزلاق إلى الحرب.

لكن من الصعب تقرير مصير العلاقة الأمريكية الصينية، وما إذا كانت ستقع في فخ "ثوسيديدس" أو ستنجو منه. لكن الأهم بتقديري هو قراءة الفكرة المركزية لكتاب أليسون في سياق التطورات التي تشهدها المنطقة العربية: حيث النزاع الأمريكي-الإيراني والسعودي-الحوثي، يعدان مثالا عمليا لخطورة ترك الأزمات الصغيرة قابلة للتحول إلى مواجهات كبرى. ولا يعني ذلك أن حالة الحوثيين تطبيق مطابق لفخ "ثوسيديدس" بمعناه الذي صاغه أليسون بين قوتين متكافئتين، وإنما تكشف كيف يمكن للتقليل من شأن تهديد ناشئ أن يحول أزمة محلية محدودة إلى معضلة استراتيجية تنتهي، في جوهرها، إلى المآلات التي حذر منها أليسون في كتابه.

وخلال السنوات الماضية سمحت طريقة معالجة السياسات الأمريكية والسعودية لتهديدات الحوثيين في تحولهم من قوة محلية إلى قوة عابرة للحدود. ويرى بعض المحللين أن منع سقوط صنعاء في وقت مبكر كان سيوفر على المنطقة كثيرا من النتائج الكارثية التي تعيشها، مثل التهديد المستمر لأمن السعودية والملاحة الدولية. وهو ما يمكن قراءته بوصفه سوء تقدير سعودي أمريكي للحوثيين في بداية تشكل كيانهم، سمح بتحولهم لمليشيا تهدد التجارة الدولية وتستخدمها إيران ورقة في سياق صراعها مع الخليج والولايات المتحدة.

الغفلة التي لا تُغتفر

ومن هنا، فإن #السعودية وبدعم #واشنطن، يمكن أن تنجو من حرب محتملة تجرها إليها مليشيا #الحوثي وإيران من خلفها، إذا ما أعادت تقييم طبيعة التهديد وصححت تقديراتها الاستراتيجية، وعدلت سياساتها القائمة على سوء تقدير، تجلّى في التعامل مع الحوثيين بوصفهم مشكلة يمنية يمكن احتواؤها، أكثر من كونهم مشروعا قابلا للتحول إلى ذراع إقليمية ذات تأثير يتجاوز الحدود اليمنية.
وعليه، فإن المسار الذي يفصل بين احتواء الأزمة اليمنية وانزلاقها إلى مواجهة أوسع، يبقى مرهونا بقدرة الرياض وواشنطن على إعادة تصنيف التهديد الحوثي من مشكلة يمنية محلية إلى عامل مؤثر في التوازن الإقليمي والدولي، وهو تحول في التقدير قبل أن يكون تحولا في الأدوات. فاستعادة صنعاء ليست استحقاقا عسكريا فحسب، بل استعادة لمرجعية الدولة، ولحق المواطن اليمني في سلطة لا تستمد شرعيتها من موازين القوى الإقليمية وحدها.

باختصار، فإن ما يجمع #أثينا وإسبارطة بواشنطن وبكين، والحوثي بالرياض، ليس تكافؤ القوة، بل تكافؤ الغفلة عن اللحظة التي يتحول فيها التهديد الصغير، بفعل التأجيل وسوء التقدير، إلى استحقاق استراتيجي يصعب التراجع عنه. فالحروب الكبرى، كما تكشف تجربة اليمن، لا تبدأ غالبا من قرار مدروس، بل من سلسلة تقديرات خاطئة لم تُصحح في وقتها.
--------
نقلاً عن صفحة الكاتب على فيسبوك


Create Account



Log In Your Account