تحالف مكة ..من وحدة القبلة إلى وحدة القوة
السبت 08 أُغسطس ,2026 الساعة: 01:59 مساءً





إن اختيار مكة المكرمة حرسها الله لعقد وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك اختيار له عمقه ودلالته في الوعي العربي والإسلامي بل وفي العالم بأسره لما يحمله من رمزية تحقق أبعادا عظيمة ومتعددة الدلالات
فمكة المكرمة هي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم وملاذهم الآمن والأرض التي انطلقت منها رسالة الإسلام إلى العالمين ولذلك فإن كل حدث يصدر من مكة يكتسب بعدا يتجاوز حدود السياسة والجغرافيا ليصل إلى وجدان أكثر من ملياري مسلم يتوزعون على المعمورة في جهاتها الأربع يجمعهم دين واحد ورسول واحد وقبلة واحدة ومصير مشترك
ومن هنا جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية لتؤكد أن الأمة متى استشعرت حجم الأخطار المحدقة بها فإنها قادرة على الالتقاء حول المشتركات الكبرى بعيدا عن حدود العرق واللون والنسب والأوطان عربا كانوا أم عجما
فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة تحب دينها وتعظم رسولها وتحفظ مقدساتها وتدرك أن أمنها ليس أمن دولة بعينها بل هو أمن تتداخل فيه العقيدة والجغرافيا والمصير المشترك والمقدسات والثروات والمصالح العليا للأمة الإسلامية قاطبة
وتأتي هذه الاتفاقية في مرحلة تتزايد فيها التحديات الإقليمية وسط صراعات ومشروعات تتنافس على النفوذ والسيطرة وما يراه كثير من المحللين من مخاطر تمثلها مشاريع إقليمية وفي مقدمتها المشروع الإيراني إلى جانب التحديات المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي بما يحمله ذلك من انعكاسات على أمن المنطقة واستقرارها ومقدساتها وثرواتها
ولعل أهم ما يميز اتفاقية مكة أنها لم تكتف بإعلان التعاون السياسي بل أرست مبدأ واضحا للدفاع المشترك إذ نص أحد أهم بنودها على أن أي اعتداء مسلح على المملكة العربية السعودية أو الجمهورية التركية أو جمهورية باكستان الإسلامية يعد اعتداء على الدول الثلاث جميعا بما يستوجب موقفا جماعيا في إطار الاتفاقية وهو ما يعكس انتقال العلاقات بينها من مرحلة التنسيق إلى مرحلة الردع والشراكة الأمنية
ولم تقف الاتفاقية عند حدود الدول الثلاث بل فتحت الباب أمام انضمام أي دولة عربية أو إسلامية ترغب في الانضمام إليها الأمر الذي يمنحها قابلية للتوسع ويجعلها نواة لتحالف أوسع إذا ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة
ولعل الملفت للنظر غياب جمهورية مصر العربية عن هذه القمة وهي الدولة ذات الثقل العربي والتاريخي والعسكري وصاحبة الموقع الاستراتيجي الفريد والتي تواجه بدورها تحديات أمنية وإقليمية معقدة ولا شك أن مشاركة مصر في مثل هذه التكتلات مستقبلا إن تمت ستمنحها بعدا عربيا وإسلاميا أكثر اتساعا وستعزز من قدرتها على تحقيق التوازن وصناعة الردع بتلاحم الدول العربية التي هي اليوم أحوج ما تكون إلى ذلك في ظل هذه التحولات المصيرية
إن الأمة التي أحبت نبيها صلى الله عليه وسلم وأكرمها الله بالقرآن وجعل مكة قبلة لها قادرة كلما اشتدت الخطوب على استعادة معاني الأخوة ووحدة الصف وتغليب المصالح العليا على الخلافات العابرة
ولعل هذا هو المعنى الذي ينبغي أن تستحضره الأمة في هذه المرحلة امتثالا لقول ربها عزوجل "إنما المؤمنون إخوة"الآية 
" واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"الآية 
ووجوبا لحماية مصالحها متعددة الوجوه

فإذا كانت مكة قد وحدت المسلمين في صلاتهم منذ أربعة عشر قرنا فإنها اليوم تبعث برسالة جديدة مفادها أن وحدة القبلة ينبغي أن تقود إلى وحدة الكلمة ووحدة الموقف ووحدة الإرادة وأن القوة حين تتكامل بين أبناء الأمة تصبح أقدر على حماية المقدسات وصيانة الأوطان وحفظ المصالح وتحقيق الردع
فالأمة التي تحب دينها ورسولها لا تعرف اليأس في أوقات الشدائد ولا تستسلم لمشروعات التمزق والهيمنة وإنما تستجيب لنداء ربها وتجتمع على الحق وتدرك أن قوتها الحقيقية تبدأ من وحدتها وأن مكة ستظل بإذن الله منارة لوحدة القلوب وملاذها الآمن كما هي قبلة لوحدة الوجوه والمصيرالمشترك للعرب خاصة وللأمة الإسلامية عامة


Create Account



Log In Your Account