هل يعني غياب الرد العسكري الواسع أن الدول ضعيفة؟
الخميس 06 أُغسطس ,2026 الساعة: 10:02 مساءً

في السياسة قد يكون الصمت ضعف، لكن في الاستراتيجية قد يكون الصمت أقوى أشكال القوة.

الكثير يعتقد بأن الدولة التي لا ترد فورا على كل اعتداء هي دولة مترددة أو عاجزة، لكن هذا الفهم ينطلق من منطق ردود الفعل، بينما تدار الدول بمنطق مختلف تماما، منطق يقوم على حسابات المصالح، وميزان الكلفة والعائد، وإدارة الصراع بما يحقق الأهداف السياسية والعسكرية، لا بما يشبع الرغبة في الانتقام أو الاستعراض.

منذ أشهر تتعرض مصالح دول الخليج للاستهداف، ومع ذلك لم تنجر إلى حرب إقليمية شاملة. بالنسبة للبعض، يبدو ذلك موقفا غامضا، لكن عند قراءته من منظور استراتيجي، فإن ما يجري يعكس تطبيقا واضحا لمبدأين أساسيين في إدارة الصراعات الحديثة: "استراتيجية الردع" و"سياسة ضبط التصعيد".

فالردع لا يعني أن ترد على كل ضربة بضربة أكبر، وإنما القدرة على جعل الخصم يدرك  أن أي تصعيد ستكون له كلفة باهظة، مع الاحتفاظ بحرية اختيار توقيت الرد وطبيعته وأهدافه. أما ضبط التصعيد، فهو إدارة الصراع بطريقة تمنع الخصم من فرض توقيت المعركة أو توسيعها بما يخدم أهدافه، وتجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تحقق له ما عجز عن تحقيقه في الميدان.

بناء على ذلك، يمكن قراءة التصعيد الحوثي اليوم باعتباره محاولة لجر اليمن والمنطقة إلى معركة أوسع، في توقيت يخدم حسابات المليشيا وإيران ومن يعتدي على إيران، باعتبار الأخير يريد تحميل المنطقة كلفة الحرب ويستخدم المليشيا كأداة ضغط، وهذا يفسر عدم القضاء على هذه المليشا كما حصل مع حزب اللاه. لكن الدول لا تبني قراراتها على الاستفزاز، وإنما على المصلحة، ولهذا فإن ضبط النفس لا يعني التخلي عن الرد، بل قد يعني تأجيله أو تحديده بالشكل الذي يخدم الهدف الاستراتيجي، لا الهدف الذي يرسمه الخصم.

بالتالي، اليمن جزء من هذه المعادلة. فالمعركة لم تعد تخص اليمنيين وحدهم، فقد أصبحت مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، ولذلك فإن أي قرار بتوسيع العمليات العسكرية لن يكون رد فعل على حدث آني فقط، وإنما قرارا تحكمه حسابات دقيقة تتعلق بالتوقيت والجاهزية والنتائج المتوقعة.

في المقابل، تبدو الحكومة الشرعية اليوم في وضع أفضل مقارنة بسنوات سابقة، سواء من حيث إعادة ترتيب القيادة، أو تحسين قدراتها العسكرية، أو تطوير وسائلها القتالية، وهو ما يمنحها خيارات أوسع في أي مواجهة مستقبلية.

وربما لهذا السبب يمكن تفسير التصعيد الأخير من قبل المليشيا على أنه محاولة لاستباق أي تغير في موازين القوى، والإبقاء على زمام المبادرة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، بدلا من الانخراط في مواجهة ميدانية واسعة قد تكون أكثر كلفة عليها.

في النهاية، اختزال المشهد في معادلة تقول إن غياب الرد العسكري الواسع يعني الضعف، هو قصر نظر. فمن منظور استراتيجي، قد يكون أقوى قرار تتخذه الدولة هو ألا تخوض المعركة التي يريدها خصمها، وألا تمنحه فرصة اختيار زمانها ومكانها وشروطها. فالانتصار الحقيقي ليس في سرعة إطلاق النار، بل في القدرة على فرض قواعد الاشتباك، وإدارة الصراع بما يخدم المصلحة الوطنية ويحقق الأهداف بأقل كلفة ممكنة.


Create Account



Log In Your Account