الخميس 23 يوليو ,2026 الساعة: 09:19 صباحاً
منذ قرون واليمن يكتب تاريخه بالدمع والذهب، لكن صفحاته اليوم تبدو أكثر سواداً من أي وقت مضى. حكاية تتجدد، وأوجاع تورثها الأجيال، وكأن القدر كتب على هذا الشعب الكريم أن يستنسخ مآسيه في كل عصر.
"مَاذَا دَهَى قَحْطَانَ؟ وَفِي لَحَظَاتِهِمْ بؤْسٌ، وَفِي كَلِمَاتِهِمْ آلامُ؟
جَهْلٌ وَأَمْرَاضٌ وَظُلْمٌ فَادِحٌ... وَمَخَافَةٌ، وَمَجَاعَةٌ، وَإِمَامُ!"
بهذه الأبيات التي اختزلت حقبة مأساوية من تاريخ اليمن، يعود الشريط ليعرض مشاهد مأساوية متكررة. يمر اليمنيون اليوم بظروف تجعل لسان حالهم كمن يستنشق هواءً مسموماً؛ حالة من الإرهاق التام وفقدان الأمل في كل حلٍ أرضي، سواء أتى من الداخل المحتقن، أم الإقليم المنشغل، أم العالم المتفرج. لم يتبقَّ لهم إلا التعلق بحبل الله المتين، ورجاء رحمته التي وسعت كل شيء.
وطأة المعاناة وسقوط الأوهام
وصل اليمنيون إلى هاوية لم يعد معها الموت في ساحة الحرب مرعباً، بقدر ما أصبحت الحياة تحت وطأة الجوع والمرض والجهل كابوساً لا ينتهي. صار الفقر جندياً ثالثاً في المعركة، والخذلان سلاحاً يقتل بصمت.
حين ييأس الإنسان من حلول البشر، يصبح الانفجار أرحم من الانهيار البطيء، لكن اليمني، رغم كل شيء، ظل متمسكاً بجذوة الصبر التي لم تخمد، لأن في أعماقه يقيناً أن المعاناة ليست نهاية الطريق، بل محطة في درب طويل.
وفي خضم هذا الدمار، تظل المرأة اليمنية تصنع المعجزات بصبرها؛ ترعى أطفالها، تبحث عن رغيف خبز، وتحلم بوطن يعيد لها اعتبارها. هي رمز الصمود الذي لم ينكسر رغم كل شيء، وهي من يحمل في عينيها بقايا نورٍ لا يخبو.
سنة العدل الإلهي
وسنن الله في خلقه لا تتبدل، وعدله سبحانه يبسط ظله على الجميع؛ فما يشهده المحيط الإقليمي اليوم من اضطراب ودمار ليس سوى تذكير بحقيقة كونية ثابتة: من أشعل نار الفتنة صلي بلهيبها، وما نزل بجارك اليوم سيطرق بابك غداً، والنار لا تحترق إلا في حضن من أشعلها.
لقد غفل الكثيرون عن أن الظلم لا يبقى في حيزٍ ضيق، بل يعود وبالُه على من زرعه، وأن الأمن الحقيقي لا يُبنى على رماد الآخرين. من تاجر بالدم، ومن راهن على الفوضى، ومن تفرج من بعيد - كلهم سيجدون يومهم في مواجهة ما صنعت أيديهم.
الابتلاء مهد الفرج
لك الله يا يمن... لك الله يا أرض الأجداد والأنبياء، يا مهد الحضارات وموطن الصابرين.
ألم يقل الحق سبحانه عن ديار اليمن، سبأ وأقوامها؟ إن التاريخ يعيد دروسه، لكن اشتداد العتمة كان دوماً التبشير الأخير بقرب بزوغ الفجر. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾.
يعلم اليمنيون أن الفرج الإلهي لا يأتي عبثاً، بل يُولَد من رحم الشدة، وبعد تمحيص الصبر، ولعل في هذه المآسي خيراً خفياً يخبئه القضاء لليمن وأهله؛ خيراً يعيد لهذا البلد العريق مكانته وكرامته، ويعوضه عن سنوات الضياع أضعافاً مضاعفة.
نحو أفق جديد
إن الرحمة التي نرجوها ليست مجرد معجزة تنزل بغتة، بل هي وعدٌ مرتبط بسعي الإنسان لتغيير ما بنفسه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾
وقد أثبت اليمنيون عبر التاريخ أنهم كطائر الفينيق، ينهضون من تحت الركام ليعيدوا بناء حضارتهم، ولعل هذه الآلام القاسية ليست إلا الكير الذي ينفي الخبث عن معدن هذا الشعب الأصيل، ليتنزل الفرج القريب، وتُطوى صفحة البؤس إلى غير رجعة.
وربما غداً، قريباً جداً، نرى صنعاء تعود كما كانت؛ تاجاً على هامات الجبال، وقلباً ينبض بالحياة، ويداً تمتد للبناء لا للهدم. ويكتب الله لليمن السعيد شماله وجنوبه وشرقه وغربه سعادةً حقيقية تليق بإيمانه وصبره، وتليق بتاريخه الذي يستحق أن يُكتب بالنور لا بالدم.
اللهم إن اليمن وأهله في عهدك وأمانك، فاحفظهم وارحمهم وفرج همومهم، إنك على كل شيء قدير ...