الثلاثاء 21 يوليو ,2026 الساعة: 01:13 مساءً
جاء خطاب الرئيس الدكتور رشاد العليمي الأخير بنبرة حازمة وواضحة، لكنه بكل تأكيد ليس "البيان رقم واحد" الذي يغيّر الواقع بلمحة عين.
تابعنا جميعاً ملامح هذا الخطاب ودلالاته:
رفع مستوى اللهجة السياسية والعسكرية تجاه الحوثيين.
ربط استئناف تصدير النفط باستعادة موارد الدولة.
تعبئة القوى الوطنية خلف مشروع الدولة.
تحميل الحوثيين وإيران مسؤولية استمرار هذه الكارثة.
الإعلان عن مرحلة جديدة عنوانها إنهاء الانقلاب، مع جعل الاقتصاد في صدارة معركة استعادة الدولة.
انتهت هنا ملامح الخطاب الرسمي... ولكن لنبدأ القراءة من واقعنا نحن، من وجع المواطن البسيط.
وسنبدأها بسؤال يستحق أن يُطرح أمام محكمة الضمير الوطني قبل أن يُطرح على طاولة السياسة:
ماذا لو لم يتخذ الحوثيون خطواتهم التصعيدية الأخيرة؟ هل كان المواطن اليمني سيظل يعيش هذا التشتت والضياع والمعاناة دون أن يلمس حراكاً حقيقياً من قبلكم؟
اليمنيون اليوم لا يبحثون عن مجرد رئيس يلقي خطابات، بل ينتظرون قائداً يحمل مشروع دولة حقيقية، يبسط سلطتها، ويستعيد مؤسساتها، وينقل البلاد من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.
فواقع ما بعد عام 2015 ترك جرحاً عميقاً في الوعي الوطني، بعدما تراجعت مؤسسات الدولة، وتمزق النسيج الاجتماعي، وتحول الوطن إلى جزر معزولة ومناطق نفوذ متصارعة.
وهنا يبرز السؤال المصيري: ما الضمانات التي تمنع تكرار سيناريوهات الخيبة؟
لقد شبع اليمنيون من الانتصارات التي رُسمت على شاشات الإعلام، لكنها لم تتحول على الأرض إلى استقرار أو تحسن في المعيشة، بل كثيراً ما أعقبتها أزمات أشد وصراعات أعمق.
ويكفي أن نتذكر قرار نقل البنك المركزي إلى عدن؛ فقد استقبله المواطنون بتفاؤل كبير، على أمل أن يكون نقطة تحول في إدارة الاقتصاد، لكن النتائج جاءت دون مستوى التطلعات، فتعمقت الأزمة، وتعطلت الرواتب، وتضرر مئات الآلاف من الموظفين. وكأن كل خطوة واعدة كانت تصطدم لاحقاً بتعقيدات وصراعات أفرغتها من مضمونها، حتى أصبحت الثقة لدى المواطن تُقاس بالنتائج لا بالإعلانات.
ومن رحم هذه التجارب المتراكمة، يتولد ذلك الإحساس الثقيل الذي يلازم المواطن في كل محطة جديدة، حتى ليخيل إليه أن هناك من يهمس له قائلاً:
"لن تنعموا بالخير، ولن تروا النور، وكل نجاح يتحقق لكم سنجعله ممزوجاً بمرارة الإخفاق، وكل فرحة ستدفعون ثمنها أضعافاً."
وبعد هذه القراءة لنبض الشارع، نعود مجدداً إلى الخطاب الرئاسي، لنقرأه في ضوء الواقع لا في ضوء الأمنيات.
توقيت هذا الخطاب جاء متزامناً مع تصاعد تهديدات الحوثيين للملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يفتح باب التساؤل حول دوافع هذا التصعيد في الخطاب الرسمي.
نتمنى أن نرى هذه اللغة الحازمة مستمرة مع كل معاناة المواطنين التي تتفاقم تحت وطأة انهيار العملة ومؤسسات الدولة، وتعثر الخدمات، واتساع رقعة الفقر، لا أن تبرز فقط عندما تتعرض مصالح الآخرين والممرات الدولية للخطر.
أما فيما يتعلق باستئناف تصدير النفط، فهي بلا شك خطوة وطنية مهمة، وضرورة اقتصادية لإنعاش هذا الجسد المنهك.
الجميع يدعو إلى نجاحها، لكن الجميع أيضاً يضع يده على قلبه خوفاً على ثروات هذا الوطن. فاليمنيون لا يتطلعون فقط إلى إدارة شفافة لعائدات النفط، وأن تُوجَّه مباشرة إلى صرف الرواتب، وتحسين الخدمات، ودعم مؤسسات الدولة، بل يتطلعون أيضاً إلى ألا تتحول تلك العائدات إلى باب جديد للهدر أو الصراعات البينية. لقد علمتنا التجارب أن النجاح لا يُقاس برنين التصريحات، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع.
نحن، كمواطنين أنضجتنا الحروب والتجارب، وبعيداً عن الشعارات، نحمل مخاوف مشروعة. فكثير من الملفات تُفتح ثم تُترك في منتصف الطريق. وما حدث بعد أزمة المجلس الانتقالي مثال واضح؛ إذ لم تشهد عدن وما حولها التحسن المنشود في الخدمات أو الأمن، بل ازدادت الانقسامات، وبدت حضرموت أكثر ابتعاداً، ليس عن اليمن فحسب، بل حتى عن المشروع الجنوبي نفسه.
الأخ الرئيس،
بعد أكثر من عقد من الحرب والأزمات، لم يعد لدى اليمني متسع لنصف وعد أو ربع شعار. لقد أصبح المواطن يقيس نجاح الدولة بما ينعكس على حياته، لا بما يُقال في المنصات والخطابات.
واليوم، يدرك اليمني أنه سيدفع ثمن كل تأخير في اتخاذ القرار، لكنه، رغم كل هذا الوجع، لا يزال يتمسك بأمل واحد:
أن يرى دولة حقيقية تستعيد قرارها، وتوحد مؤسساتها، وتنهي حالة الازدواج التي أنهكت الوطن، ليصبح التنفيذ هو اللغة الوحيدة التي تؤمن بها الجماهير بعد سنوات طويلة من الانتظار.