عندما يصبح التشجيع الرياضي بطعم سياسي
الثلاثاء 21 يوليو ,2026 الساعة: 09:18 صباحاً

لم يعد التشجيع الرياضي في البطولات الكبرى تعبيراً عن الانتماء الكروي وحده، بل أصبح في كثير من الأحيان انعكاساً للمواقف السياسية والقضايا الدولية. وكان نهائي مونديال 2026 بين إسبانيا والأرجنتين أبرز مثال على هذا التحول لدى قطاعات واسعة من الجماهير العربية والإسلامية.

ففي المباراة النهائية لمونديال 2026 التي جمعت بين الأرجنتين وإسبانيا لم تحظَ بالتصفيق والتشجيع الرياضي كما هي عادة المشجعين لكرة القدم، بل اختلط التشجيع الرياضي بنكهة السياسة، وأصبح الحماس الرياضي ممزوجاً بطابع سياسي على الأقل لدى معظم الشعوب العربية والإسلامية.

لقد تحول التشجيع من تأييد لمنتخبين يلعبان مباراة كرة قدم في نهائي كأس العالم مونديال 2026 إلى تأييد سياسي لمواقف رئيس حكومة إسبانيا الداعم للقضية الفلسطينية، وأصبح الإجماع على تشجيع المنتخب الإسباني إجماعاً عربياً/إسلامياً موحداً حول القضية الفلسطينية وموقف دول العالم منها.

إن امتزاج الحماس الرياضي بالتأييد السياسي لموقف إسبانيا من القضية الفلسطينية من قبل معظم المشجعين العرب والمسلمين يؤكد وحدانية الموقف والرأي الجمعي من القضية الفلسطينية الكبرى الموحد على الأقل لدى الشعوب، بغض النظر عن تباين المواقف لدى الحكومات بين الدعم والحياد والتآمر مع الصهيونية.

لم تخسر الأرجنتين المباراة النهائية لمونديال 2026 وحسب، بل خسر المنتخب الأرجنتيني جانباً كبيراً من تعاطف الجماهير العربية والإسلامية بعد إعلان بنيامين نتنياهو دعمه له خلال البطولة، إذ نظر كثير من المشجعين إلى ذلك من زاوية سياسية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، أكثر من كونه موقفاً رياضياً، إذ ربط كثير من المشجعين بين المنتخب الأرجنتيني والدعم الذي أعلنه نتنياهو له، إلى جانب الجدل الواسع حول عدد من القرارات التحكيمية، التي أظهرت انحيازاً للمنتخب الأرجنتيني كما بدا واضحاً في المباراة التي جمعت الأرجنتين ومصر، وما تلاها من انحياز تحكيمي في المباراة التي جمعت الأرجنتين وسويسرا بشكل استفز الجماهير الرياضية.

لم يكن تراجع التأييد الشعبي العربي للمنتخب الأرجنتيني نابعاً من خصومة رياضية معه، بل من تداخل الاعتبارات السياسية مع التشجيع الرياضي، بعد أن ارتبط اسم المنتخب في أذهان كثير من الجماهير بمواقف سياسية تتعلق بالقضية الفلسطينية، وزاد من هذا الميل الجدل الواسع الذي رافق عدداً من القرارات التحكيمية المثيرة للجدل في مباريات الأرجنتين، إلى جانب قضية إلغاء إيقاف المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون، عقب حصول اللاعب على كرت احمر في المباراة التي جمعت منتخب بلاده مع منتخب البوسنة والهرسك في دور الـ32 وهو ما غذّى شعوراً لدى قطاع من الجماهير بأن البطولة لم تكن بمنأى عن الضغوط السياسية.

لقد شكّل موقف رئيس الحكومة الإسبانية، ورفع لاعب برشلونة والمنتخب الإسباني لامين يامال لعلم فلسطين، في 11 مايو 2026 بالإضافة إلى مظاهرات الشعب الإسباني الداعم للقضية الفلسطينية، ثلاثياً كان له الأثر البالغ لدى المشجعين العرب،  وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القضية الفلسطينية أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل التعاطف الرياضي لدى قطاعات واسعة من الجماهير العربية والإسلامية، وأن نهائي كأس العالم كان مثالاً على هذا التداخل بين الرياضة والسياسة، وحجم التأثير العاطفي لديهم مع كل من يتعاطف مع قضيتهم ولو بالكلمة. 


وهذا ما يكشف حجم تغلغل الطابع السياسي في الحماس الرياضي لدى المشجعين في نهائي المونديال، إذ بدا تتويج المنتخب الإسباني لدى كثيرين أقرب إلى انتصار رمزي للقضية الفلسطينية ومؤيديها على المستويين الإقليمي والعالمي. فالجماهير لا تنظر دائماً إلى المنتخبات بوصفها فرقاً رياضية مجردة، بل باعتبارها امتداداً رمزياً للدول ومواقفها السياسية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقضية مركزية كالقضية الفلسطينية. صحيح أن قطاعاً من الجمهور بقي وفياً لفصل الرياضة عن السياسة، لكن المشهد العام لنهائي 2026 أكد أن الملاعب الكبرى لم تعد بمعزل عن نبض الشارع وقضاياه الكبرى.


Create Account



Log In Your Account