مطارح الكرامة...حين تنهض القبيلة لحماية الجمهورية من مشروع كهنوت يبحث عن الأرض منذ 1000عام
السبت 18 يوليو ,2026 الساعة: 01:19 مساءً


منذ أن برزت مطارح الكرامة بوصفها ظاهرة قبلية فرضتها مخرجات الزمن الحوثي الأثيم وأنا أتأمل بعمق تفاصيل هذا الحراك وأراقب مساراته وأبعاده الاجتماعية والسياسية والوطنية لا باعتباره حدثا عابرا وإنما بوصفه مؤشرا يستحق الوقوف أمامه لفهم ما يجري في عمق المجتمع اليمني
ولعل أكثر ما استوقفني أن هذا التوافد القبلي لم يكن استجابة لدعوة عابرة ولم يكن تجمعا فرضته لحظة انفعال وإنما بدا وكأنه روح وطنية ظلت كامنة تحت ركام الحرب والقهر ثم خرجت إلى العلن كما يخرج النور من بين الشقوق وكأن عنقاء اليمن قد ولدت من تحت النار لتعلن أن هذا الشعب ما زال يمتلك القدرة على النهوض كلما ظن الآخرون أنه استسلم
ومن هنا بدأت أطرح على نفسي سؤالا يتجاوز حدود المشهد القبلي إلى جوهر المشروع الوطني هل نحن أمام انتفاضة قبيلة أم أمام يقظة مجتمع وهل تمثل مطارح الكرامة مجرد رد فعل على ما شهدته البلاد من انتهاكات أم أنها تعبير عن رفض تاريخي لكل مشروع يسعى إلى احتكار السلطة وإعادة تشكيل الدولة خارج مفهوم المواطنة
وحين أعدت قراءة التاريخ وجدت أن الإجابة لا تكمن في تفاصيل اللحظة وحدها وإنما تمتد إلى قرون طويلة من التدافع بين تصورات مختلفة للدولة والسلطة ولهذا فإن فهم ما يجري اليوم لا يكتمل إلا بقراءة الأمس لأن التاريخ في اليمن لا يعيد أحداثه بقدر ما يعيد أفكاره بأسماء وأدوات مختلفة
وفي قراءتي للتاريخ اليمني أجد أن فكرة الدولة ليست طارئة على هذا الوطن ولا مستوردة من خارجه بل هي جزء أصيل من تكوينه الحضاري فمنذ سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحمير عرف اليمن الدولة بمفهومها السياسي والحضاري وشيد مؤسساتها وصنع حضارة امتد أثرها إلى ما حولها وكانت الدولة هي الإطار الجامع الذي صاغ هوية اليمنيين ورسخ حضورهم في التاريخ
ومن هذه الزاوية جاءت هذه القراءة محاولة لفهم العلاقة بين القبيلة والإمامة وبين القبيلة والدولة وبين الفرصة التاريخية التي تفرضها مطارح الكرامة على القيادة الشرعية حتى تتحول هذه اللحظة إلى بداية لاستعادة الدولة لا إلى ولادة مراكز قوة جديدة لأن الدولة وحدها هي التي تصنع الاستقرار وهي وحدها القادرة على حماية القبيلة والوطن والإنسان
ليس أخطر ما يواجه اليمن اليوم معركة السلاح وإنما معركة الفكرة لأن كل الحروب تبدأ بفكرة وكل الدول تبدأ بفكرة وكل المشاريع التي تعيش طويلا تبحث عن شرعية تمنحها أسباب البقاء
ومن يقرأ التاريخ اليمني بعين الباحث يدرك أن مسيرة هذا البلد شهدت تدافعا مستمرا بين تصورات مختلفة للحكم والدولة وأن هذا التدافع ترك أثره في تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية عبر مراحل تاريخية متعاقبة
ولهذا فإن العلاقة بين القبيلة والسلطة لم تكن علاقة استقرار دائم ولم تكن علاقة قطيعة مطلقة بل كانت علاقة تتبدل بتبدل المصالح وموازين القوة فكلما اقتربت السلطة من احترام استقلال القبيلة هدأت العلاقة وكلما اتجهت إلى الإقصاء والاحتكار عاد التوتر من جديد وهو ما تعكسه صفحات كثيرة من التاريخ اليمني
ولعل ذلك يفسر لماذا بقيت مشاريع الاحتكار السياسي عاجزة عن إنتاج استقرار دائم لأن الجغرافيا اليمنية لم تستسلم يوما لمنطق الغلبة المجردة ولأن الإنسان اليمني ظل يرى في الكرامة أساس الولاء وفي الحرية شرط الاستقرار
واليوم تعود الأسئلة ذاتها بثوب جديد
فالحوثيون لا يخوضون معركة عسكرية فحسب بل يحملون مشروعا سياسيا وفكريا يرى كثير من الباحثين أنه يستلهم جوانب من الإرث الإمامي ويعيد إنتاجها بصياغة معاصرة ولذلك فإن المواجهة لم تعد معركة جبهات فحسب وإنما أصبحت معركة حول شكل الدولة ومستقبلها ومفهوم المواطنة
ومن هنا يمكن فهم طبيعة العلاقة المتوترة بين الحوثيين والقبيلة فالقبيلة التي يمكن أن تتعايش مع سلطة تحترم كرامتها تتحول إلى خصم عنيد عندما تشعر أن وجودها أصبح مستهدفا وأن قرارها بات مصادرا
ولهذا لم تكن مطارح الكرامة مجرد تجمع قبلي عابر وإنما مثلت في جوهرها استعادة لمعنى يمني أصيل يجعل الكرامة مقدمة على الخضوع ويجعل الدفاع عن الأرض والإنسان واجبا وطنيا قبل أن يكون موقفا قبليا
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحراك لا تكمن في قوته القبلية وحدها وإنما في الفرصة التي يمنحها للدولة فإن أحسنت القيادة الشرعية قراءته وتحويله إلى شراكة وطنية مؤسسية فإنها تضع حجرا أساسيا في طريق استعادة الجمهورية أما إذا بقي التعامل معه بوصفه ظرفا عسكريا مؤقتا فقد تضيع فرصة يصعب أن تتكرر
إن دعم مطارح الكرامة ينبغي أن يكون دعما سياسيا وتنمويا وإداريا وأمنيا وإعلاميا لأن الدولة لا تبنى بالبندقية وحدها وإنما تبنى بالثقة كما تبنى بالمؤسسات ويجب أن يشعر أبناء القبائل أنهم يدافعون عن دولة تحميهم لا عن فراغ سياسي
فالقبيلة حين تجد دولة عادلة تصبح أحد أعمدتها وحين تغيب الدولة تضطر إلى ملء الفراغ بما تملك من أدوات وهنا تبدأ الاختلالات التي دفعت اليمن أثمانها عبر مراحل طويلة من تاريخه
إن معركة استعادة اليمن لا تنتهي بتحرير مدينة ولا محافظة وإنما تبدأ ببناء الدولة التي تحمي الجميع وتمنع عودة أي مشروع احتكاري مهما كان اسمه أو شعاره
ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تستثمر القيادة الشرعية هذه اللحظة التاريخية لتؤسس لعقد وطني جديد تكون فيه القبيلة عمقا اجتماعيا للدولة وتكون الدولة مظلة جامعة للجميع ويكون القانون هو السيد على الجميع
لقد أثبت التاريخ أن المشاريع التي تبحث عن الأرض وحدها قد تتمدد زمنا لكنها تعجز عن امتلاك الإنسان أما الدولة العادلة فإنها تبدأ ببناء الإنسان فيحملها الناس في قلوبهم قبل أن يحملوا رايتها فوق أرضهم
واليمن اليوم لا يحتاج إلى مشروع كهنوتي يبحث عن الأرض 
وقد لفظه اليمنيون أرضا وانسانا 
 بقدر ما يحتاجون إلى استعادة الدولة والأنعتاق 
 والبناء والتنمية و إعادة ماتم تدميره 
فإذا التقت الدولة بالقبيلة على تلك المسلمات انتصرت الجمهورية وإذا افترقتا وجد كل مشروع طامع طريقه إلى العودة إلى ذاته ومزاجه وعصبته 
وهو ماكان قبل سقوط الدولة من تنازع وفرقة وتصفية حسابات ...الخ 

وتلك هي الرسالة التي أراها في مطارح الكرامة فهي ليست مجرد مشهد قبلي وإنما لحظة فيض تنتصر للدولة التي تحفظ للإنسان حقوقه المشروعة وحرياته وتحفظ كرامته  وعرضه وماله ..
رسالة تستحق أن تتحول إلى نقطة انطلاق لبناء دولة قوية عادلة تحتضن جميع أبنائها وتعيد للجمهورية معناها ولليمن مكانته..


Create Account



Log In Your Account