الخميس 25 يونيو ,2026 الساعة: 09:10 صباحاً
قال الأمير نايف، ولي العهد السعودي السابق، لوفد حكومة الوفاق في يناير 2012، إن اليمن أقرب إلى المملكة من أي أحد “وهي أقرب لنا من دول الخليج، مع الاحترام لإشقائنا في الخليج” كما قال الأمير. وأضاف أن التعاطي مع هذه الحقيقة ثابت منذ عهد الملك عبدالعزيز وما يزال. ومثل هذا الكلام سبق أن أكده الأمير نفسه في مقابلة مع صحيفة “26 سبتمبر” عام 2002.
وندرك نحن اليمنيين حقيقة أهمية وخصوصية علاقات البلدين الجارين وترابطها، وندرك أن خير اليمن وشره قد يكون في حالات من جيراننا الأقربين. ولم تكن مقولة الملك عبدالعزيز: “خيركم وشركم من اليمن” مجرد إشاعة؛ فقد تحدث بها الملك فيصل في آخر لقاء له مع الرئيس عبدالرحمن الإرياني في فبراير 1974، بحسب مذكرات الأخير. والأصل ألا يأتيهم من اليمن إلا الخير، وألا يأتينا من السعودية إلا الخير. والحقيقة أن غالبية الشعب اليمني حريصون على ألا تتسبب اليمن في أي أذى أو ضرر لجيرانها.
في مؤتمر وزراء الإعلام للدول الإسلامية، الذي عُقد في عاصمة الجابون في أبريل 2012، تردد عليّ مرتين، في المكان المخصص لليمن في قاعة المؤتمر، ممثل لإحدى دول الإقليم، وكان يحرض على السعودية باعتبار أن دورها شرٌّ ومضر باليمن. فقلت: بل إنهم أشقاؤنا الأقربون، ويقفون إلى جانبنا. وكان ذلك بحضور عبدالباسط القاعدي، مدير مكتب الوزير وقتها. وكنت أتذكر أنه منذ توقيع اتفاقية الحدود عام 2000 لم نرَ من السعودية إلا خيراً، باستثناء عدم عودة التعامل مع المغتربين إلى ما كان عليه الوضع قبل عام 1990 دون كفالة، كما تقضي بذلك مضامين معاهدة الطائف لعام 1934، التي أكدت اتفاقية جدة عام 2000 على شرعيتها وإلزاميتها، وهي تعطي حقوقاََ وأفضلية متبادلة للبلدين على ما عداهما.
وقد عدلت في كلمتي المختصرة في ذلك المؤتمر لتصل الرسالة إلى من يعنيه الأمر، شاكراً دور المملكة بقيادة الملك عبدالله ودعمها لليمن. وسبق أن أشرت في كتابات سابقة إلى حضور الملك عبدالله احتفالات عيد الوحدة العاشر في صنعاء والحادي عشر في عدن، تأكيداً على موقف المملكة من وحدة اليمن.
في عام 2014 تقدم الحـ ـوثيون نحو صنعاء حتى سيطروا عليها، وكان الصمت السعودي سيد الموقف آنذاك، دعك من مواقف “السياسيين الأغبياء” في صنعاء. وكان سفير السعودية، الحمدان، في إجازة خاصة، في الأرجنتين وقت سيطرة الحوثيين على عاصمة جارهم الأقرب، اليمن. وعندما توجه الحوثيون نحو عدن جاءت “عاصفة الحزم”. وقدّر اليمنيون أن تدخل التحالف بقيادة السعودية سوف يعيد الشرعية ويحافظ على وحدة اليمن واستقلاله وسلامة أراضيه، وأنه لن يمنح فرصة للطامعين والعابثين وذوي النزعات الأنانية.
فما الذي حدث؟
دعمت الإمارات مشروع الانفصال، وتغاضت السعودية عن ذلك بالتجاهل أحياناً وبالمجاراة غالباً، حتى تم فرض الانفصاليين في الحكومة والرئاسة دون تخليهم عن مشروع الانفصال، وسيطروا على عدن وسقطرى ومناطق أخرى، بما فيها أكثر حضرموت وغيرها.
ولم يتحقق أي هدف مرجو أو مأمول من تدخل التحالف، بل إن ما حدث هو تقوية الحـ ـوثيين وتعزيز موقف الانفصاليين وخراب اليمن.
وما الذي يجري الآن؟
رغم إخراج الإمارات من اليمن وحل المجلس الانتقالي، فما يزال صوت اليمن الواحد خافتاً أو منعدماً، وما تزال السعودية تتحدث عن دعم وحدة سوريا والصومال وليبيا والسودان، فيما يستمر الحديث في الرياض عن “القضية الجنوبية العادلة” والتحضير لحوار جنوبي ـ جنوبي، دون أي موقف سعودي واضح داعم لوحدة اليمن منذ عام 2018.
وخلال السنوات الماضية نبهنا، تلميحاً وتصريحاً، إلى أن الموقف السعودي من وحدة اليمن ليس كما ينبغي. وكان تصريح السفير آل جابر في أبريل 2022: “حسبما يتفق اليمنيون” مفاجئاً وصادماً، ويعبر عن تضارب صارخ وخطير مع مقتضيات تدخل التحالف وقرارات الشرعية الدولية، ومقتضيات العلاقة بين البلدين، وما سبق تأكيده وترسيخه. وكأن وحدة اليمن لم تتحقق منذ عام 1990، وأن مواقف السعودية وتأكيداتها، ومشاركة قيادتها في أعياد الوحدة اليمنية، وما تقتضيه المعاهدات والمواثيق بين البلدين، لا معنى لها.
ربما تتطلب الملاحظات أعلاه أن يسمعها السعوديون من آلاف الأصوات اليمنية، من محبي السعودية في اليمن، وأظنني منهم، قبل أن يسمعوها من خصومها.
ويجب أن يسمع أشقاؤنا صوت اليمن، وهم لم يسمعوه ممن يفترض أنهم معنيون به، وهم معينون من قبلهم، وأقصد أولئك القابعين هناك، الذين يفهمون أن لهم مهمة أخرى لا تخص الشعب اليمني ولا أولوياته ولا قضاياه الحقيقية، وفي مقدمتها وحدة ترابه الوطني.
نقلاً عن صفحة الكاتب على منصة x