الصحافة اليمنية... بين سجون الكهنوت ومنفى النزوح
السبت 13 يونيو ,2026 الساعة: 05:07 مساءً

في التاسع من يونيو من كل عام، تحيي نقابة الصحفيين اليمنيين يوم الصحافة اليمنية، لكن في عامها السادس والثلاثين، لم يعد لهذا اليوم طعم الاحتفال،  فالحرب التي دخلت عامها الثاني عشر لم تترك للصحفيين سوى الخيارات المستحيلة،  القتل، الاعتقال، النفي، أو الصمت القسري،  والأرقام التي أفرزها عقد من الصراع لا تحتمل التأويل،  أكثر من ألفي انتهاك موثق، وما لا يقل عن 51 صحفياً قضوا، والكلمة تحولت إلى مخاطرة، والصورة إلى دليل إدانة، والصحفي إلى خصمٍ يجب إسكاتُه بأي ثمن.

بين عامي 2014 و2026، وثقت المنظمات الحقوقية انهياراً كاملاً للمجال العام في اليمن، وتوزعت المسؤولية بين أطراف الصراع التي اتفقت كلها على عداء الصحافة الحرة، واعتبرتها خطراً وجودياً لا سلطة رقابية،  وبحسب التقارير، تتحمل مليشيا الحوثي المسؤولية الأكبر عن الانتهاكات، تليها القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً، ثم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي،  هذا التعدد في مراكز القهر جعل الصحفي عاجزاً عن التنبؤ بمن سيحاسبه على عمله، أو من سيعتبره عدواً لأنه نقل الحقيقة.

لكن الحوثيين يظلون الأكثر وحشية في تحويل الزنازين إلى مسالخ للكلمة،  فالتعذيب في سجونهم ليس وسيلة لاستخلاص معلومات، بل عقيدة قمع يصرح بها الجلادون بلا حياء، يروي الصحفي عبدالخالق عمران الذي أمضى ثماني سنوات خلف القضبان وتحت أحكام إعدام جائرة أُفرج عنه بعدها في صفقة تبادل، كيف قال له المحقق علانية: ما يسكت الإعلام إلا الإعدام. فيما يتذكر الزميل عصام بلغيث، الذي سرقت السجون 1955 يوماً من عمره، كيف كان المشرفون يهددونهم بوضعهم في مخازن السلاح لتصفيتهم، تماماً كما حدث لزميليهم عبدالله قابل ويوسف العيزري،  أما مسؤول ملف الأسرى الحوثي، عبدالقادر المرتضى، فقد صدم الصحفيين المعتقلين ليلة تعذيبهم بعبارة تختزل عقيدة الجماعة: نحن نتقرب إلى الله بتعذيبكم.

وفي مقلب آخر من المعاناة، تواجه الصحفيات اليمنيات جحيماً مضاعفاً،  فالإلى جانب المخاطر العامة، يواجهن قيوداً اجتماعية وأمنية تجعل عملهن مغامرة وجودية،  حيث تؤكد التقارير أن أكثر من 86% من الصحفيات تعرضن لعنف قائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت، والابتزاز الإلكتروني باستخدام صور مفبركة أو مسروقة،  ومع فرض قيود المحرم واشتراط إذن ولي الأمر للسفر والتنقل، باتت الصحفية اليمنية تحارب في جبهتين، قمع السلطات المسلحة، ووصمة المجتمع التي تُحمل الضحية المسؤولية، مما يدفع الغالبية العظمى منهن إلى العزوف عن التبليغ أو اعتزال المهنة.

اللافت هنا أن الحرب على الصحافة لم تقتصر على القمع الأمني، بل شملت التجويع الممنهج،  إن غياب المرتبات، وتدني الأجور، والعمل دون عقود، وانعدام الضمانات الاجتماعية، ليست تفاصيل إدارية هامشية، بل أدوات ضغط فعّالة تدفع الصحفي إلى القبول بالذل أو الرحيل، وحين تُجوع المهنة، فإنك لا تقمع الأفراد فقط، بل تقتل الاستقلالية نفسها، وتحول الخوف والرقابة الذاتية إلى شرط من شروط النشر،  حيث يضطر أكثر من 63% من الصحفيين إلى إخفاء هوياتهم أو النشر بأسماء مستعارة مرعوبين من عواقب الحقيقة.


الجريمة الأكبر في هذا المشهد هي الإفلات من العقاب،  فالحرب وتعدد السلطات وغياب القضاء المستقل خلقت بيئة مثالية للجناة، من يقتل صحفياً لا يخشى المساءلة، ومن يقتحم مقر النقابة في عدن كما حدث في السنوات الأخيرة ويمتنع عن إعادته لا ينتظر المحاكمة، وفي ظل انشغال العالم بأزمات دولية متعددة، يكتفي المجتمع الدولي بإصدار بيانات الأسف، بينما لا يزال تسعة صحفيين يمنيين على الأقل أبرزهم نبيل السداوي ووليد غالب وناصح شاكر  يقبعون في غياهب السجون دون نصير.

إن السكوت عن هذه الجرائم يعني منح الضوء الأخضر لمزيد منها،  ولا يمكن بناء دولةٍ على ركام الخوف، ولا تأسيس تسوية سياسية فوق قبور الصحفيين،  إن الحد الأدنى المطلوب اليوم واضح: الإفراج غير المشروط عن كل المعتقلين، وقف استخدام القضاء كأداة للمعاقبة السياسية، استعادة مقرات النقابة والمؤسسات المصادرة، وصرف المستحقات المتأخرة، يجب أن يتحول التوثيق الحقوقي إلى مسار قانوني دولي يلاحق الجناة ويُبقي ملفهم حياً.

وفي الختام:

الصحافة اليمنية ليست بخير، لكنها لم تمت، ما زال هناك صحفيون يصرون على نقل ما يحدث رغم القتل والاختطاف والمنفى، يكتبون بيد ويحمون أرواحهم بالأخرى،  غير أن هذا الصمود لا يكفي وحده،  فإذا كان اليمن يريد أن يخرج من نفق الحرب، فعليه أولاً أن يتوقف عن معاقبة من يرويها،  فالبلد الذي يطارد الصحفيين لا يحارب الكذب، بل يحارب الحقائق التي تفضحه، وهذا ما يجعل حماية الصحافة اليوم ليست مجرد تضامن مهني، بل شرطاً رئيسياً لإنقاذ اليمن نفسه.


Create Account



Log In Your Account