عبد ربه منصور هادي: إرث رجل حاول إنقاذ الجمهورية فسحقته تناقضات اليمن
الإثنين 01 يونيو ,2026 الساعة: 12:08 مساءً





ولد هادي في جنوب اليمن، وتدرج في المؤسسة العسكرية حتى أصبح أحد أبرز ضباطها.  
شهد صراعات الجنوب، ونجا من أحداث يناير 1986، وانتقل إلى الشمال مع آلاف الضباط الذين شكلوا لاحقاً ما عُرف بـ"ألوية الوحدة اليمنية".  


لم يكن عبد ربه منصور هادي بطلاً أسطورياً، ولم يكن قائداً يملك كاريزما الزعماء الكبار، لكنه كان آخر رجل وقف في وجه مشروع إسقاط الجمهورية حين كانت الدولة تتهاوى، والجيش يتفكك، والنخب السياسية تتصارع على فتات النفوذ. 

كان هادي رئيساً بلا حزب، وبلا قبيلة، وبلا شبكة مصالح، ومع ذلك، وجد نفسه في مواجهة أخطر تحالف عرفه اليمن، وهو تحالف علي عبد الله صالح مع الميليشيا الحوثية، مدعوماً بمشروع إقليمي كان يرى في اليمن بوابة نفوذ لا دولة ذات سيادة.


 

لقد جاء هادي إلى السلطة عبر توافق وطني، لا عبر صراع، بيد أن اللحظة التي وصل فيها كانت لحظة انفجار تاريخي، دولة عميقة بناها صالح لعقود، جيش مفخخ بالولاءات، اقتصاد ينهار، وجنوب يغلي، وميليشيا عقائدية تتقدم بثقة نحو العاصمة،في تلك اللحظة، كان يمكن لهادي أن يختار الاستسلام، أو الصمت، أو القبول بالأمر الواقع، لكنه اختار الطريق الأصعب، اختار مواجهة مشروع إسقاط الدولة، لم يختر المارشال هادي المعركة، لكن المعركة اختارته


حين أقدم هادي على تفكيك منظومة الحرس الجمهوري تدريجياً، وإزاحة مراكز القوى العسكرية، لم يكن يطيح بضباط فقط، بل كان يهدم نظاماً كاملاً بناه صالح حول عائلته، فكان قرار إعادة هيكلة الجيش، هو القرار الذي فجّر الحرب، ولهذا تحالف خصوم الأمس صالح والحوثيون ضد الرجل الذي هدد امتيازاتهم، كانوا يعرفون أن هادي ليس طامعاً في السلطة، لكنه كان يملك شيئاً أخطر، كان يملك مشروع دولة.




حين سقطت صنعاء في سبتمبر 2014، لم يسقط هادي،بل سقطت الجمهورية، وكانت ولادة المعركة الحقيقية،لقد وضعوه تحت الإقامة الجبرية، ظناً منهم أن إسكات الرجل يعني إسكات الدولة،لكن خروجه من صنعاء متخفياً كان إعلاناً بأن اليمن لم يُسلّم بعد، ومن عدن، قال جملته الأهم اليمن لم يسقط، كانت تلك اللحظة أكبر من مجرد موقف سياسي، كانت إعلاناً بأن الجمهورية لا تزال حية، حتى لو سقطت العاصمة.





حين طلب هادي تدخل التحالف العربي، لم يكن يبحث عن حرب، ولا عن حماية شخصية.  
كان يرى بوضوح، أن اليمن يتجه إلى أن يصبح نسخة أخرى من لبنان 1980 أو العراق 2006
لذا حسم القرار وطلب التدخل، وهو قرار لا يتخذه إلا من يعرف حجم الخطر، كان يعرف أن سقوط عدن يعني سقوط اليمن كله في قبضة مشروع طائفي مسلح مدعوم من إيران، ولذلك اتخذ القرار الذي غيّر مسار المنطقة، لا اليمن فقط.



نعم… أخطأ هادي. لكن من كان يستطيع أن ينجو؟

من السهل اليوم جلد الرجل، لكن من الصعب أن نجيب على سؤال بسيط من كان يستطيع أن يدير دولة بلا جيش، بلا اقتصاد، بلا مؤسسات، وبلا دعم سياسي داخلي؟

نعم، توسعت التعيينات، نعم، استمر الفساد، نعم، ضعفت الإدارة، لكن الحقيقة التي يتجاهلها الجميع أن هادي كان يقاتل وحيداً، ضد الحوثي، ضد صالح، ضد الدولة العميقة، ضد الانقسامات الجنوبية، ضد التدخلات الإقليمية، وضد انهيار دولة عمرها 60 عاماً، لم يكن يملك القوة ليحسم، لكنه كان يملك الإيمان ليصمد.




في 7 أبريل 2022،اللحظة التي تصرف فيها كرجل دولة لا كحاكم، اتخذ هادي قراره الأكثر جرأة وافق على قرار نقل السلطة إلى مجلس قيادة رئاسي، بإعلان جمهوري وضغط خليجي ودولي،لم يهرب، لم يساوم على منصب،لم يطلب حصانة، لم يفاوض على امتيازات.

غادر السلطة بالطريقة التي لم يعرفها اليمن منذ 1962 انتقال سياسي سلمي.

وهذا وحده يكفي ليضعه في خانة رجال الدولة، لا الحكّام العابرين.




سيختلف اليمنيون حول هادي طويلاً.  
سيقول البعض إنه كان ضعيفاً.  
وسيقول آخرون إنه كان آخر من حاول إنقاذ الدولة.

لكن الحقيقة الأعمق هي أن هادي لم يكن الرجل الذي أسقط اليمن بل كان الرجل الذي حاول وحيداً أن يمنع سقوطه.

وربما سيكتشف اليمنيون لاحقاً أن الرجل الذي اتُّهم بالضعف كان في الحقيقة آخر من وقف بين الجمهورية والهاوية.

إن المارشال هادي الذي لم يكن حاسماً بما يكفي… لكنة كان مخلصاً بما يكفي، رجل لم يكن حاسماً بما يكفي… لكنه كان مخلصاً بما يكفي

لم يكن هادي قائداً مثالياً، ولا رجلاً خارقاً، ولا زعيماً بلا أخطاء.  
لكنه كان في جوهره رجل دولة حاول أن ينقذ بلداً يتداعى من كل الجهات.

ربما لم يمتلك القوة الكافية لفرض مشروعه، لكنه امتلك الإيمان الكافي للدفاع عنه،وربما لم ينجح في إنقاذ الدولة، لكنه رفض أن يكون شاهداً صامتاً على سقوطها.

ولهذا سيبقى إرثه مفتوحاً على الجدل، لكنه سيظل جزءاً من قصة اليمن…  
قصة بلدٍ قاوم السقوط، ورجلٍ حاول بقدر ما يستطيع أن يمنع هذا السقوط.


Create Account



Log In Your Account