على ضفاف "إنما المؤمنون إخوة"
الأربعاء 18 مارس ,2026 الساعة: 01:38 صباحاً



هاهو رمضان المعظم يكاد ينقضي 
والكل ركز فيه على العبادات الذاتية
من قراءة القرآن والصيام وتزكية الذات.
وغفلنا عن أعظم عبادة وهي عبادة 
النفع المتعدي من نفقه مادية وجبر خواطر 
تقتضيه لوازم اكتمال الأخوة الإسلامية
بحقيقتها سلوكا يقضاً، لا تنظيرا وقراءة ذلك في القران الكريم بخشوع دون وعي لمعاني ذلك وترجمة ذلك واقع حي. 

ولذلك تتأسس في الوعي الإسلامي حقيقة كبرى لا تقف عند حدود الوصف العاطفي بل تتجاوزها إلى بناء منظومة إنسانية متكاملة تجعل العلاقة بين المؤمنين علاقة أصل لا طارئ وعلاقة التزام لا اختيار فالأخوة هنا ليست شعورا عابرا بل هي تكليف ينعكس على السلوك ويظهر في المواقف ويتجسد في تفاصيل الحياة اليومية كفيض يتجدد..

ويأتي القرآن الكريم ليعمق هذا البناء حين يربط الأخوة بالإنفاق ربطا عضويا يجعل من العطاء امتدادا طبيعيا للإيمان لا فعلا منفصلا عنه " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء"الآية ليكشف أن الإنفاق ليس مجرد إخراج مال بل هو أمر رباني عظيم تتضاعف فيه القيم قبل البذل ويتسع فيه الأثر في النفس قبل الواقع
ويؤكد القرآن هذا المعنى في بعده الأصدق "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"الآية ليضع الإنسان أمام اختبار حقيقي يميز بين من يعطي من فائضه ومن يعطي مما يتعلق به قلبه فيرتقي بالعطاء من مستوى الأداء إلى مستوى الصدق والتصديق به.
 
وفي واقع يلامس واقع الأزمات يكشف القرآن عن موضع الاختبار الحقيقي للأخوة " أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة"الآية حيث لا يكون العطاء في زمن السعة بل في لحظة الضيق ولا يكون الإنفاق ترفا بل استجابة لمعاناة حقيقية تكشف معادن النفوس وتظهر صدق الانتماء الإيماني
هذا هو البناء القرآني الذي يؤسس للأخوة ويزكيها بالإنفاق ويربطها بالبر ويختبرها في المسغبة وايام الحروب والفتن 
ثم تأتي السنة النبوية لتجسد هذا البناء في صورة عملية حية " مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "الحديث 
فيتحول المعنى من مبدأ نظري إلى سلوك تلقائي يستجيب فيه المؤمن لألم أخيه كما يستجيب الجسد لألمه دون تردد.

ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى أيضاً في ضبط العلاقة " أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله لتصبح الأخوة مسؤولية أخلاقية قائمة على الحفظ والرعاية قبل أن تكون مجرد تعاطف روتين بارد وجاف 
وفي باب الإنفاق يحرر النبي صلى الله عليه وسلم النفس من وهم النقص " ما نقص مال من صدقة"الحديث 
 ليعيد تشكيل وعي الإنسان المسلم بالمال ويجعله وسيلة للارتقاء لا سببا للخوف والحرص من النقصان 
وتبلغ هذه المعاني ذروتها في سلوكه صلى الله عليه وسلم إذ كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن وكان أجود بالخير من الريح المرسلة فيلتقي القرآن الذي يؤسس مع السنة النبوية الشريفة اكتمال البناء في الفهم والتدبر والوعي والعمل 
كواقع سلوك وحركة ..
ولذلك 
في واقعنا المأساوي في اليمن حيث امتدت سنوات الحرب واشتدت وطأة الفقر حتى غدت الأيام ذات مسغبة كلها وطوال العام وهنا تتأكد الحاجة إلى استحضار هذا البناء القرآني والنبوي معا لا بوصفه خطابا وعظيا بل باعتباره ضرورة إنسانية وإيمانية تعيد ترميم ما تصدّع من معاني الأخوة وحميميتها وتردم ما اتسع من فجوات بين الناس وهم بالملايين.
إن الفقر حين يطول يتحول إلى عزلة داخلية وجرح صامت في كرامة الإنسان خصوصا حين يكون عفيفا يخفي حاجته ويصبر على ألمه وهنا يصبح الإنفاق إحياء للنفس قبل أن يكون إغاثة للحال وتصبح الكلمة الطيبة وجبر الخاطر صورة أخرى من صور العطاء الذي يعيد للإنسان توازنه ويمنحه شعورا بأنه ما زال مرئيا ومعتبرا مهاب الجانب محفوظ الكرامة .

ومع دخول العشر الأواخر من رمضان تتصاعد هذه المعاني لتبلغ ذروتها حيث لا يكون العطاء مجرد استجابة ظرفية بل يصبح مسارا واعيا يتقرب به الإنسان إلى الله ويزكي به روحه ويعالج به قسوة الواقع لمن حوله من اخوانه الفقراء والمساكين المعوزين ...الخ 
 فيجتمع في الإنفاق البعد الإيماني والبعد الإنساني والبعد النفسي في آن واحد.
وعند هذا الحد يتجلى المعنى الحقيقي للأخوة حين تتحول من نص محفوظ إلى واقع معاش وحين يصبح العطاء امتدادا للإيمان لا عبئاً على المال وحين يستعيد المجتمع تماسكه بوصفه جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى
وفي هذا السياق يظل النموذج النبوي هو القمة التي تهدي الطريق إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جوادا كريما وكان في رمضان أجود من الريح المرسلة
تقبل الله صيامكم وقيامكم وطاعاتكم 
وعبادة النفع المتعدي 
ولكم السلام.


Create Account



Log In Your Account