الثلاثاء 13 يناير ,2026 الساعة: 09:51 مساءً

تقرير - هشام المحيا خاص
دخلت إيران في دوامة من العنف غير المسبوق مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية التي تجتاح البلاد، وسط تقارير حقوقية ودولية تشير إلى سقوط أكثر من الفي قتيل في مواجهات وصفت بأنها الأعنف منذ ثورة عام 1979، وفيما يطبق الصمت المطبق على العاصمة طهران جراء قطع كامل لشبكة الإنترنت، توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القيادة الإيرانية بعواقب وخيمة، داعياً المتظاهرين إلى "السيطرة على مؤسسات الدولة".
تشير البيانات الميدانية لنشطاء ومنظمات حقوقية إلى حصيلة دموية صادمة؛ حيث أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، وهي منظمة حقوقية تتخذ من الولايات المتحدة مقرا، اليوم الثلاثاء إنها تحققت من مقتل 2003 أشخاص في الاحتجاجات الإيرانية، من بينهم 1850 متظاهرا و135 فردا تابعين للحكومة وتسعة أشخاص تقل أعمارهم عن 18 عاما وتسعة مدنيين غير مشاركين في الاحتجاجات.
وفي تقديرات أكثر قتامة، ذكرت مصادر طبية وأمنية لوسائل إعلام دولية أن عدد القتلى قد يتراوح بين 12,000 و20,000 قتيل، سقط معظمهم خلال يومي 8 و9 يناير الجاري، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في حجم القمع الأمني.
إسقاط "القدسية"
وتجاوزت الاحتجاجات الحالية سقف المطالب المعيشية التي انطلقت من أجلها في أواخر ديسمبر الماضي، لتتحول إلى انتفاضة سياسية شاملة استهدفت بشكل مباشر الرموز الدينية والسياسية للنظام.
وشهدت مدن إيرانية عدة، من بينها مدينة "خومين" مسقط رأس مؤسس الجمهورية الإسلامية، تحركات رمزية غير مسبوقة، حيث قام متظاهرون بإضرام النيران في تماثيل وصور آية الله الخميني والمرشد الحالي علي خامنئي.
ويرى مراقبون أن "إسقاط القدسية" عن هذه الرموز يمثل نقطة تحول تاريخية؛ إذ لم يعد المتظاهرون يكتفون بالمطالبة بالإصلاح، بل باتت الهتافات تتركز حول "الموت للديكتاتور" و"نهاية حكم الملالي".
وتصاعدت أشكال الاحتجاج من المسيرات السلمية إلى السيطرة على مراكز الشرطة ومقرات الباسيج في بعض المحافظات، في تحدٍ واضح للقبضة الأمنية التي ردت باستخدام الرصاص الحي والقذائف الصاروخية في بعض المناطق.
عودة "الشاه"
وفي خضم هذا الغليان، برز اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل المقيم في المنفى، كأحد الوجوه التي تراهن عليها أطراف دولية ومحلية لملء الفراغ السياسي.
وشهدت شوارع طهران وأصفهان هتافات مفاجئة تنادي بـ "يا شاه إيران.. عد إلى إيران"، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل البلاد. وبينما يطرح بهلوي نفسه كقائد لمرحلة انتقالية ديمقراطية، تتهمه السلطات الإيرانية بأنه "دمية" في يد قوى خارجية.
ويرتبط هذا الجدل بشكل وثيق بالدور الإسرائيلي؛ حيث تشير تقارير إعلامية إلى دعم تل أبيب المتزايد لظهور بهلوي الإعلامي والسياسي كبديل للنظام الحالي.
واتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان صراحةً إسرائيل والولايات المتحدة بـ "توجيه المخرّبين"، معتبراً أن التحركات الأخيرة هي جزء من مخطط إقليمي لإضعاف إيران.
مواقف القوى الكبرى
في واشنطن، اتخذ الرئيس ترامب موقفاً تصعيدياً حاداً، حيث أعلن عبر منصته "تروث سوشيال" إلغاء كافة اللقاءات مع المسؤولين الإيرانيين حتى يتوقف ما وصفه بـ "القتل العبثي".
وكتب ترامب في رسالة موجهة للمتظاهرين: "أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج.. استولوا على مؤسساتكم.. المساعدة في طريقها إليكم".
وبينما لم يوضح ترامب طبيعة هذه المساعدة، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن "الضربات الجوية تظل خياراً مطروحاً على الطاولة".
ولم تقتصر الضغوط الأمريكية على الجانب العسكري، بل امتدت لتشمل حلفاء طهران الاقتصاديين، حيث هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تواصل التعامل التجاري مع إيران، وهي رسالة واضحة تستهدف بكين بشكل مباشر.
وفي المقابل، انتقدت الصين وروسيا ما وصفتاه بـ "التدخل الخارجي"، محذرتين من تكرار سيناريوهات الصراعات العسكرية السابقة في المنطقة.
وعلى الصعيد الأوروبي، استدعت ثماني دول أوروبية سفراء إيران للاحتجاج على "العنف المفرط".
ووصفت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، المشاهد القادمة من إيران بأنها "مرعبة"، معلنة عن حزمة عقوبات جديدة تستهدف قطاعات الطاقة والنقل والتمويل
جذور الاحتجاجات
وتعود جذور هذه الموجة من الاحتجاجات إلى أواخر ديسمبر الماضي، حينما خرج آلاف الإيرانيين للشوارع احتجاجاً على الانهيار الاقتصادي الحاد وتهاوي قيمة الريال الإيراني، إلا أن المطالب سرعان ما تحولت من اقتصادية إلى سياسية تنادي بتغيير جذري في هيكل السلطة.
ومع استمرار قطع الإنترنت ومنع الصحفيين الأجانب من التغطية الميدانية، تظل الصورة الكاملة لما يحدث داخل المدن الإيرانية غامضة، لكن مقاطع الفيديو المسربة تظهر جثثاً مكدسة أمام المشافي ومواجهات دموية في الشوارع، مما ينذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.