رسالة إلى مسؤولي الفنادق السفريات المكوكية وأصحاب الرواتب الدولارية
الأربعاء 19 نوفمبر ,2025 الساعة: 10:45 صباحاً




حين يختار الساسة في فيينا ــ قلب أوروبا الهادئ ــ تجميد رواتبهم لعام كامل في ما سُمّي “جولة الأجر الصفري”، صفر رواتب ، لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها النمسا ، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود النمسا، بل تتجاوزها إلى كل بلد أنهكته الأزمات، وكل مسؤول اعتاد أن يرى في المنصب امتيازا لا تكليفا، وفي المال حقا لا أمانة.

أمس، قدم رئيس النمسا مثالا آخر على هذا المعنى حين سافر إلى اليابان بنفسه ليفتح أسواقا جديدة ويعرض فرصا اقتصادية لبلده، في مشهد يختصر مفهوم القيادة في زمن الأزمات. والأكثر دلالة أنه رفض المشاركة في قمة المناخ الأخيرة بسبب كلفة الفنادق، التزاما بخطة التقشف في الموازنة، ليقول للناس ببساطة إن الأموال العامة ليست رصيدا للترف الدبلوماسي ولا منصة لاستعراض الصور، بل أمانة يجب أن يبدأ المسؤول بصونها قبل أن يطالب الآخرين بشد الأحزمة.

إن الشعور بالمسؤولية ليس شعارا يُرفع في المؤتمرات، ولا جملة تردد على منصات التواصل، بل هو سلوك يومي تقاس به قيمة الإنسان في موقعه، واستعداده للتضحية حين تحتاج الأوطان إلى من يقف معها لا فوقها. لقد صار لزاما على مسؤولي الفنادق التي تُدار على حساب الفقراء، وعلى “اصحاب السفريات المكوكية” الذين يقضون في المطارات أكثر مما يقضوا مع قضايا بلدهم ، وعلى أصحاب الرواتب المحوّلة بالدولار في زمن الانهيار، أن يدركوا أن التضحية جزء من شرعية أي مسؤول، وأن الأوطان لا تبنى بمن يعيش بعيدا عن آلام الناس.

فيينا تعطي درسًا بسيطا وواضحا :
المسؤول الحقيقي يبدأ بنفسه، لا بجيوب الآخرين.
وكل حكومة أو هيئة أو مؤسسة لا تستطيع أن تكرّر فعلًا شبيها بما فعله ساستها، لا يمكنها ادعاء أنها تحمل مشروع بناء أو إصلاح.

ولعل اللحظة المناسبة لطرح سؤال صارخ:
هل نملك، في عالمنا العربي واليمني خصوصًا، شجاعة قرار واحد يشبه “الأجر الصفري” أو موقفًا يشبه رفض رئيس النمسا المشاركة في قمة فاخرة حفاظا على أموال الناس؟
وهل يستطيع أولئك الذين يعيشون في رفاه المناصب والفنادق والسيارات ذات السائق، أن يعلنوا ــ ولو مرة واحدة ــ أنهم مستعدون لتحمّل جزء من العبء، لا تحميله على الآخرين فقط؟
صحيح هناك الكثير من الأمثلة في تاريخيا ، وديننا ، لكن العبرة باليوم بالتطبيق ، وايس بالتنظير .
  
الوطن الذي ينزف لا يحتاج إلى مزيد من الامتيازات، بل إلى رجال ونساء يعرفون أن التضحية ليست رفاهية، وأن من يتصدر المشهد العام يجب أن يكون أول من يضع المصلحة العامة فوق مصلحته الخاصة.


Create Account



Log In Your Account