السبت 15 سبتمبر ,2018 الساعة: 01:31 مساءً
مَثلٌ شعبي يمني رائج يقول : " عظم بحنجرة... لا تستطيع بلعه ولا تستطيع نجعه "، وهو في الأصل تكثيف رمزي بالغ الدلالة لمعنى الإصابة بمخنق.
هذا المثل صار، أكثر من أي وقت مضى، مُفسِّرا حالنا مع الشرعية، التي لم نزل نعوِّل عليها في مسعى إستعادة الدولة وتجبير شروخ المجتمع ،التي أنتجتها سنوات الأزمة والحرب. غير أن هرولة السنوات بهذا البلد المنكوب نحو المجهول، دون أن تُشعِر الشرعية ـ رئاسة وحكومة ـ مواطنيها بقدرتها على استعادة زمام المبادرة في إنهاء الحرب بالحسم أو التسوية الشجاعة، تجعلنا لا نثق بانفراجة قريبة لهذا الوضع، الموغل في العتمة والرداءة.
كم الفساد الهائل في جسم الشرعية بسبب إعادة تدوير رموز النظام السابق، و اعتمادها مبدأ المحاصصة والترضية السياسية، واحتكار الوظيفة العامة لاستخدامها في شراء الولاءات ـ بذات فلسفة نظام صالح ـ والأهم من ذلك ضعفها وترهلها، يجعل من مسألة الذهاب بعيدا معها أمرا لا يحتمل، وفي الوقت ذاته تصير مسألة التخلي عنها في هذا المنعطف أو اسقاطها من حسابات الأمل، ضربا من المستحيل، لأن البديل هو الجحيم بعينه.
وبسبب هذا المأزق غدت هي العظم القاتل في حياتنا، وليس في حناجرنا فقط.
التقاطها للشعور الجمعي بحاجة الناس اليها، هو الذي سهَّل على رموزها وتركيبتها الفاسدة إستخدام مبدأ المخاتلة بشعاراته الأخلاقية والوطنية لابتزاز الجميع، والا، ما معنى أن يصرِّح وزراء فاسدون في حكومة بن ذعر أن حالة الحرب والفوضى تعيق إقامتهم في الداخل ،وتعطِّل إنجاز مهامهم ، وهم في الأصل، لم يصححوا أوضاعا إدارية بسيطة في مرافقهم والمؤسسات التابعة لهذه المرافق . أوضاع لا تتطلب جهودا خارقة لإصلاح اختلالاتها وتتطلب قليلا من النزاهة والشفافية والإحساس بمعاناة الغير، حتى تصير الأمور على ما يرام.
أو التحجج بأن الخطوط الحمراء التي تضعها الدول العظمى تعطل مسالة الحسم العسكري في مناطق هي ساقطة في الأصل، لكن الإستثمار في هذه الفزاعة وفي معاناة المواطنين الواقعين تحت الحصار، هو المشغل الفعلي لطبقة الحرب، التي تخلقت في هذا الجسم المترهل، وأبطالها من قيادة الصف الأول فيها.
أثبتت سنوات الجحيم الأربع أن إدامة الحرب هي "مغنم فاجر" عند قادة عسكريين فاسدين، تاريخهم معرَّى عند الجميع ، لأن تجارة السلاح وقوائم الجنود الوهميين وإعاشاتهم هي البوابة الواسعة لثراء هؤلاء القادة وسطوتهم. وهي بالمقابل عند الوزراء وشاغري الوظيفة العامة بحبوحة العيش و رَغدِه، الذي توفره المرتبات العالية بالدولار ومخصصات النقد المحلي التي لا رقيب على أوجه انفاقها ، فمن منهم مثلا سيساهم في إيجاد معالجات جادة لأنهيار العملة المحلية ، مادامت فوارق سعر الصرف تصب في مصلحتهم،إن لم تكن الأزمة في الأصل قد تعاظمت بمساهمة فاعلة منهم.
ولأن الحديث عن الشرعية بفسادها وترهلها، لا يستقيم دون الحديث عن التحالف الذي يقول إنه تدخل لإعادتها ـ القرين بالقرين يذكرـ فالأخير صار بعد ثلاث سنوات ونصف من التقاتل جزء من المشكلة بسبب الحسابات المعقدة التي تحرك دوافع أطرافه في الحرب، فالدور الطبيعي الذي كان من المتوجب أن تضطلع به القوة العسكرية الثانية في التحالف " الامارات العربية المتحدة" ،في مناطق الجنوب على سبيل المثال، كان في تعزيز حضور المؤسسات وبسط نفوذها على الأرض كخطوة على طريق استعادة الدولة ، لا أن تعيقها بإيجاد كيانات معطلة، تستخدم شعارات سائلة غريزية مشبعة بالكراهية والعنصرية في تفخيخ المجال العام ونشر الفوضى. لهذا تحوَّل حضورها، في المناطق التي باتت تعرف بالمحررة، من صاحبة "دور" في الحل الى صاحبة "نفوذ" ومطامع لم تعد خافية على أحد . فصاحب الدور يبحث عن الشراكة، و يشترط الآخر، أما النفوذ استتباع واستلحاق، زبائني ريعي يشتري الرقبة والقرار، يهمّه الوصول إلى هدفه، صاحب النفوذ براغماتي جدًّا ومسكون بهاجس الإمبراطورية، كما يقول "هاني فحص".
أما السعودية "قائدة التحالف" فلم تزل تعمل باستراتيجيتها البالية في التعامل مع المشكلة اليمنية من زوايا الإستتباع ، التي تتأسس على إضعاف الجميع، ليسهل على لجنتها الخاصة وأجهزتها إدارة ملف الدولة الجارة الفقيرة والضعيفة دون مشقات كبيرة، وأن خوضها للحرب في الأصل كان لحسابات خاصة بأمنها القومي والتوازنات الإستراتيجية في المنطقة وأن شعار إستعادة الدولة وإعادة الشرعية ليس الا واجهة لحرب يخوضها حلفاء الوكالة ، ويدفع أكلافها الباهظة الضحايا المدنيون والنازحون الفقراء.
إصرارها على تمكين حلفائها التاريخيين المُعقين لبناء الدولة منذ ستة عقود ، من إسلاميين "بتدرجاتهم اللونية" ورموز قبلية وعسكرية ، لا يقول سوى أن الجارة ماضية في سياساتها التدميرية لكيان الدولة، وليس في حساباتها أن يكون لليمنيين بلاد متعافية مستقلة بقرارها السياسي ، تديرها حكومات قوية و حكام غير مكبلين وغير مرتهنين.