اتفاق الرياض الميت .. لعبة العجز والتواطؤ السعودي وحصاد الغنائم  (تقرير خاص)
الجمعة 28 مايو ,2021 الساعة: 05:56 مساءً
الحرف28- تقرير خاص


في المشهد الأول: صور يتناقلها ناشطون يمنيون لسياح أجانب وصلوا البلاد مؤخرا.

لم تكن تلك الصور نوعا من الذكريات القديمة لسياح كانوا يتدفقون على اليمن قبل انفجار الأزمة اليمنية مطلع الألفية الثالثة، بل صور حديثة لسياح في أرخبيل سقطرى حيث تسيطر الإمارات بالقوة المسلحة على الجزيرة عبر القوات التي شكلتها لما يسمى المجلس الانتقالي الساعي لفصل جنوب اليمن عن شماله وتمزيق الجنوب نفسه بحسب ناشطين.

تشير الصور إلى مستقبل يتسم بالتفكك والتشرذم فوق ما هو ممزق فعلا، لأن السياحة في تلك المنطقة لا تعد مؤشرا للاستقرار بعد سنوات الحرب، بل إشارة مهمة لحجم الانفصالات المتعددة داخل البلد على كل المستويات.

وتتحدث التقارير الدولية عن سياح أجانب قدموا من الإمارات إلى الجزيرة، ويتخوف ناشطون يمنيون من أن تكون تلك الوفود السياحية رجال أمن ومخابرات من دول معادية، وسط حالة صمت حكومي يمني رهيبة لدرجة أصبحت معها الحكومة متهمة بالتواطؤ.

مقياس ردة فعل اليمنيين هي منصات التواصل الاجتماعي والناشطون،  فهم يشيرون الى مخاوفهم مباشرة على وقع تقارير دولية تتحدث عن إسرائيل صراحة، لكن قلقا إضافيا يتخلق من أن يكون هناك سياح إيرانيون قدموا من نفس الدولة عبر نفس الآلية السياحية.


في المشهد الثاني: 
احتجاجات وغضب في العاصمة المؤقتة التي لم تعد عاصمة لأحد غير الإمارات وذراعها المسلح برعاية سعودية بحسب ناشطون، فالمدينة تمر بأسوأ حالاتها على الإطلاق على مدى السنوات الست الماضية، فهناك  انهيار شبه تام للخدمات خصوصا الكهرباء والمياه وبقية المؤسسات الخدمية الحكومية، بل طال الأمر المؤسسات الخاصة وخدمات المنظمات الدولية.


في المشهد الثالث: تظهر صور الأقمار الصناعية انشاءات عسكرية إماراتية في جزيرة ميون اليمنية الإستراتيجية وسط مضيق باب المندب. تؤكد الصور ما تحدثت عنه تقارير صحفية منذ عامين على الأقل، وتثير أسئلة كثيرة بشأن أهداف التحالف وماذا يريد في اليمن.

في المشهد الرابع وهو الأبرز: حرب تمضي في عامها السابع بلا وجهة، يتكرس من خلاله الحوثي قوة أكبر، ثم تتحول المعركة الكبيرة لمواجهة الحوثي الى مجموعة مخاوف من إسقاط أهم معاقل الحكومة الشرعية شمال البلاد : مأرب مع جمود مختلف الجبهات وفتح قنوات خلفية لتفاهمات سعودية حوثية.

في خلفية هذه المشاهد يدار المسرح الكبير الذي اعدته الإمارات والسعودية في 10 أغسطس 2019 للوصول الى هذه النتيجة، عندما أشرفتا على انقلاب مسلح  أدى لطرد الشرعية من عاصمتها المؤقتة والسيطرة على معسكراتها وأسلحتها وقصف قوات الجيش اليمني بالطيران من قبل الإمارات.

ثم يبدأ المشهد الأهم بالتدفق: إبرام اتفاق الرياض، الذي تم الإحتفال به واعتباره منجزا للسعودية، بزعم أنه يؤسس لمرحلة "شراكة وتوحيد الصفوف لمواجهة الحوثي".

لكن الإتفاق، بعد قرابة العامين من توقيعه دون تنفيذ يؤكد الشكوك التي أطلقها اليمنيون منذ لحظة ابرامه، فهو مشهد إعادة ممل لما سمي( اتفاق السلم والشراكة ) الذي شاركت برعايته الرياض والإمارات في صنعاء ايضا مع دول أخرى بالإضافة الى الأمم المتحدة.

وكان هذا الإتفاق هو الإطار الذي مكن الحوثيين وحليفهم وقتها من السيطرة المسلحة على البلاد.

النسخة الثانية من السلم والشراكة .. لكن في عدن

قضى اتفاق الرياض الذي أُبرم في 5 نوفمبر 2019 بأن تشكل الحكومة من طرف الرئيس هادي وحلفائه والانتقالي الجنوبي، على أن يتم دمج تشكيلات الانتقالي البالغ عددها 90 الف مجند تقريبا وفق تصريحات إماراتية، في إطار وزراتي الدفاع والداخلية.

لكن ذلك كان على ما يبدو بمثابة الطعم، فقد تبدل الأمر لاحقا وبدلا من تنفيذ خطوات الاتفاق خطوة خطوة كما ينص عليه الاتفاق فقد انقلب الرعاة انفسهم عليه وذهبوا باتجاه قلب الهرم.

ضغطت الرياض بكل قوتها باتجاه واحد: تنفيذ الشق السياسي من الاتفاق بتشكيل حكومة بمشاركة الإنتقالي والإبقاء على الوضع الأمني والعسكري تحت سيطرة التشكيلات المتعددة الموالية للإمارات.

بحسب مصدر وثيق الاطلاع تحدث للحرف28 فإن الرياض ضغطت على الشرعية للقبول مقابل وعود سعودية بتنفيذ الشق الأمني والعسكري في أعقاب تشكيل الحكومة بموجبها عادت الحكومة إلى عدن نهاية السنة الفائتة.

وقد نجت من مجزرة  محققة بعد استهدافها في مطار عدن بصواريخ حوثية، تزامنت مع فوضى في المدينة وترتيبات الاستقبال.

وسرعان ما عادت اللعبة إلى بدايتها: ترفض الإمارات وذراعها المسلح عودة أي قوة عسكرية للرئاسة إلى عدن، وتكتفي راعية الإتفاق بالفرجة وتتبخر وعودها واحدة تلو أخرى ولديها مسار وحيد في السياسة: ممارسة المزيد من الضغط على الشرعية.

ثم تتوالى المشاهد الساخرة معيدة نفس التفاصيل: يدفع الإنتقالي المسيطر عسكريا وامنيا  بمجاميع محتجين بالأسلحة لاقتحام القصر الرئاسي مجددا وكما فعلت في المرة الأولى في أغسطس، اكتفت القوات السعودية بالتفرج، وتلك مهمة قامت بها قوات الرياض بكفاءة في عدن وسقطرى.

قال مصدر سياسي في عدن للحرف 28 إن الحكومة التي جاءت تعبيرا عن مزاج ورغبة سعودية قبلت العودة وهي مجردة من أي قوة عسكرية او أمنية أو اقتصادية وظلت تحت رحمة الانتقالي ومزاج الإمارات بينما لا تفعل الرياض شيئا غير شرعنة خطوات السيطرة المطلقة لأذرع الإمارات.

وفي الواقع فإن مؤشرات فشل  اتفاق الرياض بدأت تظهر بالسرعة من اليوم التالي، فالتنفيذ نفسه ظل محورا للتفاوض وابرام اتفاقات معدلة اخرى لنقضه، طيلة أكثر من عام.

وبعد أن كانت العملة حققت أفضل تحسن خلال العام الماضي كله، على وقع وعود بوديعة بمليارات الدولارات واستعادة فاعلية الخدمات، عاودت الانهيار منذ الأيام الأولى لعودة الحكومة ووصلت مستويات قياسية تجاوزت حاجز ال900 ريال أمام الدولار.

لم يكن انهيار العملة وغياب الوديعة إلا شكلا من أشكال الانهيار الشامل لما بدا أنه صراع بين السعودية والإمارات والحكومة والانتقالي في عدن، وعجز الأطراف المختلفة عن وضع حد لذلك التدهور.

بحسب معلومات خاصة حصل عليها الحرف28 فإن وزير الداخلية في الحكومة الجديدة لم يتسلم مقر عمله منذ الأيام الأولى في عدن إلى أن غادرها مجبرا إلى سيئون في وادي حضرموت في شهر رمضان الفائت، وما يزال هناك حتى الآن.

وسبق وزير الداخلية رئيس الحكومة نفسه الذي غادر عدن إلى الرياض بعد 3 أشهر تقريبا من عودته، إثر اقتحام محتجين لقصر معاشيق في كريتر أمام أنظار القوات السعودية، مع ذلك يتمسك الرجل بدوره ويلتزم الصمت على نحو مخزي كما يقول ناشطون.

انقطاع المرتبات

استمر العجز الحكومي الهائل في دفع المرتبات للجيش والأمن والجهاز الإداري والمدني للدولة مسجلا أرقاما قياسية عالية تصل إلى سبعة أو ثمانية أشهر.

كما عجزت الحكومة عن ترتيب عمليات الإيرادات المحلية وتلك التي يفترض أن تتحصل عليها من الموانئ.

ونشأ صراع جديد بين وزارة النقل التي يشغل منصب الوزير فيها عبدالسلام حميد عن الانتقالي الجنوبي مع السلطات المحلية في المحافظات، التي تتقاسم النسبة الأكبر من إيرادات المنافذ مثل عدن والمهرة وحضرموت، ولم يحسم الصراع بعد لصالح أي طرف.

التحدي الصعب أمام الانتقالي

صَوّر الانتقالي اتفاق الرياض أمام أنصاره بالنصر الحاسم له أمام الحكومة معتبرا إياه خطوة في طريق الانفصال، مع وعود بعودة الخدمات المنقطعة طوال السنة الماضية، لكن العودة أظهرت عجزا حقيقيا وتحديا هائلا أمامه وفق المصدر المحلي الذي تحدث معه الحرف28.

يقول المصدر إن الانتقالي متمسك بالحكومة تماما والمناصب التي حصل عليها، ويظهر أمام أنصاره بالخصم القوي القادر على الانفراد بإدارة المحافظة وتولي مسؤوليات إدارة عدن، مع يقينه الكامل بالعجز عن ذلك.

قال المصدر إن الانتقالي دائما يكرر التهديدات بالتصعيد، لكن ليس بيده أي أوراق فعلية، حيث غرق هو الآخر بنفس مشاكل الحكومة.

يضيف المصدر:  مليشيا الانتقالي لها قوى محلية هناك تتقاسم الإيرادات وما يمكن تسميته بالكانتونات الصغيرة من الحكم داخل عدن، وغير مستعدة للتخلي عن تلك المصالح.

وأشار إلى حادثة اقتحام القصر الرئاسي الذي وضع الحكومة والانتقالي في نفس المستوى من المناهضة أمام الشعب.

عودة القيادات الانتقالية

في أواخر شهر رمضان عاد عيدروس الزبيدي فجأة من الإمارات حيث يقيم، في المقابل قالت أسوشيتدبرس إن الرياض منعت هادي من العودة إلى المدينة رغم أن عودة الرئيس  بند رئيسي في الإتفاق الذي رعته السعودية.

بينما يقضي الرئيس عامه الخامس في الرياض، يعود الزبيدي بطائرة إماراتية.

وطبق المعلومات التي حصل عليها الحرف28 فإن أبوظبي عززت الإنتقالي بشحنة أسلحة وصلت إلى عدن بالتوازي مع هذه التطورات.

لم يكن بيد الزبيدي أي مقدرات وأدوات لتحسين الخدمات بالمدينة أمام تزايد السخط الشعبي بين أنصاره من أداء المجلس وانهيار الخدمات خصوصا الكهرباء.

وهدد الزبيدي الأسبوع الماضي أنه قد يستولي على مصادر الطاقة، لوضع حد لانقطاعات الكهرباء، والإشارة واضحة، فمصادر الطاقة موجودة في شبوة وحضرموت الخاضعتان بشكل متفاوت للحكومة الشرعية.


وقال مصدر الحرف28 إن تهديدات المجلس الانتقالي المتكررة بالتصعيد ليست سوى تعبير عن غرقه في أزمة السلطة والمعارضة.

وأضاف : مظاهر التصعيد التي يتحدث بها يمكن ان تكون مفهومة إذا كانت قوة أخرى  تسيطر على عدن غير قواته، لكن المدينة بجميع مؤسساتها الإيرادية والأمنية تحت سيطرتهم فعلا.

الزبيدي مرتبك ومتناقض ويبدو هو الآخر واقع في مأزق سياسي، فقد ظهر في خطاب جديد الأسبوع الماضي، يصف الحكومة التي يشارك فيها بحكومة الاحتلال، لكنه دعاها للعودة إلى عدن.

ضعف التحشيد العسكري

وعن التحشيد العسكري في عدن ولحج وأبين قال مصدر خاص للحرف28 إن الانتقالي أضعف عسكريا هذه المرة عما كان عليه في السابق، فقواته لم تعد تتسلم مرتباتها منذ أشهر طويلة، والدعم الإماراتي المالي شبه منقطع عن تلك القوات، وقد تحولت مرتباتها على نفقة القوات السعودية التي توقفت عن دفعها.

ويتساوى في ذلك تشكيلات الانتقالي مع الجيش الحكومي في عدم تسلم المرتبات إن لم يكن يفوقها بعدد المرتبات المتأخرة.


عجز سعودي أم تواطؤ؟

أعلنت  السعودية مؤخرا عن تقديم  منحة نفطية لكهرباء عدن والمحافظات بقيمة 420 مليون دولار لمدة ستة أشهر تقريبا، وفق تصريحات برنامج الإعمار السعودي ويبدو أن المنحة ستحمل على الحكومة اليمنية.

لكن الرياض لا تفعل شيئا على الصعيد الأهم : تنفيذ الإتفاق الذي رعته وإنهاء الأزمة التي شاركت بصناعتها.

  وقد أظهرت الرياض عجزها عن حلحلة الأزمة علنا حيث وجهت الخارجية السعودية دعوتين على الأقل للطرفين الحكومي والانتقالي القدوم إلى الرياض، لكن دون تجاوب من الانتقالي، يقابله تواطؤ سعودي وصمت.

الدور الأممي والأمريكي

في آخر جولة للمبعوثين الأمريكي ليندركينغ، والأممي مارتن غريفث إلى دول الخليج شددا على أهمية تنفيذ اتفاق الرياض، وحذر غريفيث صراحة من مزيد من الانهيار التمزيق في بيان الأربعاء الماضي.

وتوجه  كينغ الى الإمارات لمناقشة الأمر نفسه  مع مسؤولين إماراتيين الأسبوع الماضي حول "أهمية تنفيذ اتفاق الرياض".

جزيرة ميون

على  الناحية الأخرى ثمة ما يشبه عملية حصد الغنائم من الحرب ، فقد تحدثت تقارير دولية عن القواعد الإماراتية في جزيرة ميون الاستراتيجية بباب المندب، معززة بصور أقمار صناعية، تأكيدا لما يثار منذ عامين عن هذه الخطوات التي تشير الى مسارعة طرفي التحالف الى وضع اليد على مناطق حيوية من البلاد وإعادة نشر قوات عسكرية في مناطق تبعد مئات الكيلو مترات عن جبهات المواجهة مع الحوثي مع حالة جمود في المعارك.

وسط كل ذلك يبدو أن السلطة الشرعية اليمنية لا تعرف شيئا عما يجري في المناطق التي يفترض أنها خاضعة لسيطرتها.

منتصف الشهر الجاري صرح المسؤول البارز في الرئاسة عبدالله العليمي مدير مكتب هادي أن الحكومة شيئا لا تعلم عن وجود قاعدة إماراتية في الجزيرة، لكن الصور التي ظهرت حدت ببعض النواب توجيه أسئلة لرئاسة الحكومة عن تلك القواعد.

وكانت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة خصبة للنقد الشعبي الواسع، الأمر الذي دفع برئيس مجلس النواب سلطان البركاني المقرب من الإمارات إلى توجيه الأسئلة إلى الحكومة.

ولا يتوقع أحد أي إجابة من الحكومة في ظل تشتتها في العواصم العربية والدولية، والانشغال الأمريكي بملف إنهاء الصراع في مأرب.

حتى اللحظة لا تفعل الرياض شيئا غير تكريس صورتها الضعيفة في ملفات عديدة، فبعد ان خسرت في سوريا و العراق ولبنان، تبدو عاجزة حتى عن إمضاء اتفاق هي من صاغه ورعاه في ساحة تعد هي المتصرف الأول فيها.

يقول بعض اليمنيين إن الرياض شاركت في إضعاف الشرعية اليمنية الضعيفة أصلا، وتواطأت على نحو مقصود مع الإمارات لتمرير كل الأعمال المسلحة التي قوضت الشرعية في المحافظات المحررة، وساهمت في تقوية نفوذ الحوثي المدعوم إيرانيا.

وسواء كانت فعلت السعودية ذلك بشكل مقصود أو تعبير عن العجز والتخبط فالثابت أن الرياض تضع نفسها أمام العالم في صورة الضعيف الذي لم يعد يملك من أمره شيئا في آخر الملفات التي توشك على الخروج من يدها في المنطقة.

لكن بحسب ناشطين فإن هناك  حقيقة وحيدة  تتجلى في مشهد  كل هذه الخسارات في البلد: إذعان الشرعية وضعفها وفسادها الذي بدد معظم مكاسب تضحيات اليمنيين الممهورة بالدم لاستعادة بلدهم.


Create Account



Log In Your Account